مذكّرة التّخرّج خطّة عمل اقتصادية جاهزة للتنفيذ.. الاستثمار المنتج
توظيف إدارة الموارد البشرية في الميدان.. مشروع خدماتي ناجح
تقدّم سعيدة عانم تجربة لافتة في مسار المقاولاتية النسوية، بعدما استطاعت أن تحول تكوينها الجامعي في مجال الموارد البشرية إلى مشروع مهني ميداني، اقتحمت من خلاله مجالا ظل الحضور النسوي فيه محدودا. وبين الدراسة الجامعية والبحث الأكاديمي والعمل المقاولاتي، بنت الطالبة مسارا متدرجا أفضى إلى إنشاء مؤسسة مصغرة متخصصة في خدمات النظافة، تحولت مع مرور الوقت إلى فضاء مهني وفّر فرصا لعدد من العاملات.
تنتمي غانم إلى جامعة تندوف التي تصفها بأنها شكّلت البيئة الأولى التي احتضنت طموحها الأكاديمي والمهني. فقد أنهت دراستها الجامعية بتفوق، قبل أن تواصل مسارها بالحصول على شهادة الماستر في الموارد البشرية، ثم اجتياز مسابقة الدكتوراه في الجامعة ذاتها، وهي مراحل أكاديمية أسهمت في صقل معارفها في مجال التسيير وفهم آليات العمل داخل المؤسسات.
غير أنّ المسار الأكاديمي لم يبق منفصلا عن الطموح المهني، إذ تحولت المعرفة التي راكمتها خلال سنوات الدراسة إلى أرضية لفكرة مشروع عملي. وكان ذلك من خلال مذكرة تخرّج تناولت إنشاء مؤسسة مصغرة تحت اسم «النّقاء والهناء»، وهي مؤسّسة خدماتية متخصّصة في مجال النظافة وتلبية احتياجات المؤسسات العمومية والخاصة، انطلاقا من تصور يراعي متطلبات السوق المحلية.
من فكرة مذكّرة إلى مشروع ميداني
شكّلت مذكرة التخرج بالنسبة إلى غانم أكثر من مجرد عمل أكاديمي ينتهي بانتهاء الدراسة، فقد مثّلت النواة الأولى لمشروع أرادت أن تمنحه وجودا فعليا خارج أسوار الجامعة، ومن خلال تحويل فكرة إنشاء المؤسسة إلى مشروع قائم، انتقلت الشابة من مرحلة التخطيط والدراسة إلى اختبار قدرتها على خوض الحياة المهنية والمقاولاتية.
وبعد تخرّجها، توجّهت إلى الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر بتندوف، حيث استفادت، عقب دراسة ملفها، من تمويل بقيمة 250 ألف دينار جزائري، خصّص لاقتناء المواد الأولية وتوسيع نشاط المؤسسة، ولقد منح هذا التمويل للمشروع دفعا قويا، إذ ساعد على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة أكثر استقرارا وانفتاحا على المحيط الاقتصادي والمؤسساتي.
ومع تطور النشاط، تمكّنت المؤسسة من إبرام اتفاقيات مع عدد من المؤسسات الحكومية، من بينها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية أبو القاسم سعد الله والمتحف الوطني أحمد محساس بتندوف.
وتكشف هذه المرحلة عن أهمية التمويل المصغر في مرافقة المشاريع الصغيرة التي تنطلق بإمكانات محدودة، خصوصا عندما يكون المشروع قائما على فكرة واضحة، وتكوين يسمح لصاحبه بفهم متطلبات التسيير والتنظيم.
المقاولاتية.. مسار المحاولة والتّصحيح
لا تقدّم غانم تجربتها باعتبارها مسارا خاليا من الصعوبات، إذ تؤكد أن بدايتها في عالم المقاولاتية لم تكن سهلة، وأنّها واجهت عددا من العقبات خلال انتقالها من وضعية المقاول الذاتي إلى إنشاء مؤسسة مسجلة في السجل التجاري ومتخصصة في خدمات النظافة.
وتكشف هذه المحطة عن جانب أساسي في التجربة، يتمثل في القدرة على مراجعة الخيارات وتصحيح المسار عندما تكشف الممارسة الميدانية عن الحاجة إلى تغيير النموذج الأولي للمشروع، فالمقاولاتية لا تتوقف عند امتلاك فكرة أو الحصول على تمويل، وإنما تتطلب قدرة مستمرة على التكيف مع طبيعة السوق والإجراءات الإدارية ومتطلبات النشاط، ومن هذا المنظور، تبدو تجربة غانم قائمة على تراكم تدريجي للخبرة، بدأ من التكوين الجامعي، ثم انتقل إلى صياغة فكرة المشروع في مذكرة التخرج، وبعدها إلى البحث عن التمويل، قبل الوصول إلى مرحلة النشاط الفعلي وإبرام الاتفاقيات.
ويمنح هذا التسلسل التجربة طابعا عمليا، لأنّ المؤسّسة لم تولد مكتملة منذ البداية، وإنما تطورت مع الاحتكاك بالميدان، وهو ما سمح لصاحبتها بإعادة ترتيب خياراتها، والانتقال إلى صيغة أكثر ملاءمة لطبيعة النشاط الذي اختارته.
الجامعة منصّة المبادرة
تكتسب التجربة أهمية إضافية من ارتباطها المباشر بالجامعة، فالمسار الذي بدأ داخل جامعة تندوف لم ينته بالحصول على الشهادة، وإنما تحول إلى قاعدة لإطلاق مشروع اقتصادي، وتبرز هنا وظيفة التكوين الجامعي في إعداد الطلبة للحياة المهنية من زاوية مختلفة، حين يصبح البحث الأكاديمي مدخلا إلى التفكير في حلول ومشاريع قابلة للتطبيق، وقد شكلت دراسة إنشاء المؤسسة المصغرة في مذكرة التخرج بالنسبة إلى غانم فرصة لاختبار فكرة المقاولاتية قبل الانتقال بها إلى الواقع، كما أنّ الجمع بين التخصص في الموارد البشرية وتجربة إدارة مؤسسة خدماتية، يتيح لصاحبة المشروع توظيف معارفها الأكاديمية في التعامل مع الجانب البشري للمؤسسة، خصوصا أن نشاطها أصبح يضم طاقما من العاملات.
وهكذا تتقاطع في التجربة ثلاثة مسارات: التعليم الجامعي الذي وفّر التكوين، والمقاولاتية التي وفّرت مجال التطبيق، والعمل الذي منح المشروع بعده الاجتماعي من خلال توفير فرص مهنية للنساء.
مؤسّسة تصنع فرص الاستقلالية
تأخذ تجربة «النّقاء والهناء» بعدا اجتماعيا واضحا مع توسع المؤسسة وضمّها طاقما من العاملات. فالمشروع لم يعد مرتبطا فقط بطموح صاحبته في بناء مسار مهني مستقل، وإنما أصبح أيضا فضاء تستطيع فيه نساء أخريات إثبات قدراتهن، وتحقيق قدر من الاستقلالية المالية.
وهذا الجانب يضع المقاولاتية النسوية في سياق أوسع من مجرد إنشاء المؤسسات، باعتبارها وسيلة لإدماج النساء في النشاط الاقتصادي، وتوسيع حضورهن في مجالات العمل والإنتاج والخدمات.
وتكتسب التجربة خصوصيتها من كونها بدأت بمبادرة فردية لصاحبتها، ثم تطورت إلى مؤسسة تستقطب نساء للعمل ضمنها. وبين البداية المتواضعة والواقع الحالي، يظهر أثر المثابرة في تحويل المشروع من فكرة مرتبطة بمذكرة جامعية إلى نشاط اقتصادي له شركاء واتفاقيات وطاقم مهني.
المرافقة شرط الاستمرارية
لا يمكن فصل نجاح المؤسسة عن المرافقة التي استفادت منها، سواء من خلال التمويل المصغر أو التكوين الأكاديمي أو المرافقة المستمرة من سلطات الولاية، وفق المعطيات التي تقدمها التجربة.
وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن نجاح المؤسسات المصغرة لا يرتبط بقدرات أصحابها فقط، وإنما يتأثر بمدى توفر البيئة التي تساعدهم على تجاوز المراحل الأولى من النشاط؛ فالتمويل يسمح بإطلاق المشروع، والتكوين يساعد على إدارة المؤسسة، والمرافقة المؤسساتية تساهم في معالجة الصعوبات التي قد تواجهها في مسارها. وفي حالة «النّقاء والهناء»، تضاف إلى هذه العناصر الاتفاقيات التي أبرمتها المؤسّسة مع عدد من الهيئات العمومية، وهو ما منح النشاط فرصة للارتباط بطلب فعلي على خدمات النظافة، وتكشف هذه المعادلة عن أهمية الانتقال من منطق دعم المشاريع عند التأسيس إلى مواكبتها خلال مراحل تطورها، لأن المؤسسة تحتاج – بعد انطلاقها – إلى السوق والزبائن والشراكات والقدرة على الاستمرار.
صناعــة المسـار
تقدّم تجربة سعيدة غانم نموذجا لمسار تحاول فيه الشابة بناء موقعها المهني من خلال الجمع بين التعليم والعمل والمبادرة. فقد شكّلت الجامعة نقطة انطلاق، بينما أصبحت المقاولاتية مجالا لاختبار المعارف وتحويلها إلى ممارسة.
وتكمن أهمية التجربة في هذا الانتقال تحديدا: من طالبة تدرس الموارد البشرية إلى باحثة تواصل مسار الدكتوراه، ثم إلى صاحبة مؤسسة تدير نشاطا خدماتيا وتعمل على تطويره. وهي رحلة تكشف أن الشهادة الجامعية يمكن أن تكون جزءا من مشروع مهني أوسع عندما ترتبط بالقدرة على المبادرة واستثمار المعرفة في الواقع، كما أن نجاح المؤسسة في استقطاب عاملات يضيف بعدا آخر إلى هذا المسار، إذ تتحول المبادرة الفردية إلى نشاط يوفر فرصا مهنية لنساء أخريات، بما يجعل المقاولاتية وسيلة لبناء الاستقلالية الاقتصادية وتوسيع دائرة المشاركة في الحياة المهنية.
تبدو قصة «النّقاء والهناء» أقرب إلى مسار تدريجي لبناء النجاح منه إلى نتيجة سريعة، فقد بدأت بفكرة صاغتها طالبة في مذكرة تخرج، ثم وجدت طريقها إلى التمويل، وخاضت تجربة المقاول الذاتي، وواجهت عراقيل دفعت صاحبتها إلى تصحيح المسار، قبل أن تستقر في شكل مؤسسة خدماتية تعمل مع عدد من الهيئات.
وتحمل هذه التجربة، في بعدها المحلي، دلالة أوسع حول قدرة المرأة على تحويل التكوين الجامعي إلى مشروع اقتصادي، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه المرافقة والتمويل في منح الأفكار القابلة للتطبيق فرصة التحول إلى مؤسسات قائمة. وفي تندوف، اختارت سعيدة غانم أن تجعل من الجامعة نقطة انطلاق لا محطة نهاية، وأن تحوّل ما تعلّمته في مقاعد الدراسة إلى مشروع مهني يفتح لها ولغيرها من النساء مجالا للعمل والاستقلالية وصناعة المستقبل.



