مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الكفاءة والبُعد القيمي
استحداث مقياس “الشفافية والوقاية من الفساد”..قرار مهم
صدر في الجريدة الرّسمية رقم 08، قرار وزاري جديد يحدّد كيفيات تنظيم التكوين البيداغوجي التحضيري، ملغيًا القرار السابق المؤرّخ في 24 أوت 2015، في إطار مسعى يهدف إلى تحيين منظومة التكوين البيداغوجي وتكييفها مع التحوّلات التي يعرفها قطاع التربية الوطنية، بما يضمن تحسين نوعية التأطير المهني للأساتذة الجدد، وترسيخ مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الكفاءة البيداغوجية والبُعد القيمي، في إعداد المورد البشري التربوي.
أكّد الخبير التربوي نواري كمال في تصريح لـ»الشّعب»، أنّ القرار الوزاري الجديد المحدّد لكيفيات تنظيم التكوين البيداغوجي التحضيري، يمثل خطوة محورية في مسار إصلاح المنظومة التربوية، لأنه يعيد ترتيب الأولويات داخل المدرسة الجزائرية، ويضع التكوين القاعدي للأستاذ في صلب العملية الإصلاحية، باعتباره حجر الأساس لأي تحسين فعلي في جودة التعليم.
وأوضح الخبير نواري، أنّ هذا القرار لا يمكن فصله عن السّياق القانوني الجديد، الذي يعرفه قطاع التربية، خاصة بعد صدور المرسوم التنفيذي 25/54 المتضمّن القانون الأساسي الخاص بموظفي القطاع، والذي ربط صراحة بين التوظيف النهائي ومتابعة التكوين البيداغوجي التحضيري، خلال فترة التربص التجريبي، وهو ما يعكس –بحسبه– تحولًا في رؤية الدولة من منطق الاكتفاء بالتوظيف إلى منطق التأهيل الحقيقي والمستدام.
وفي هذا الإطار، شدّد نواري كمال على أنّ إلغاء القرار المؤرّخ في 24 أوت 2015 وتعويضه بنص جديد، هو اعتراف بضرورة مراجعة مقاربة التكوين السابقة، التي كانت تركّز في كثير من الأحيان على الجوانب الإجرائية، دون تعميق البعد التربوي والقيمي، رغم ما يشكّله الأستاذ من ثقل داخل المنظومة التعليمية.
واعتبر الخبير أنّ استحداث مقياس «الشفافية والوقاية من الفساد» يُعد من أهم ما جاء به القرار، لأنه يكرّس وعيًا متقدّمًا بأنّ المدرسة ليست فضاءً محايدًا، بل مؤسّسة لصناعة القيم، وأنّ الأستاذ لا يعلّم فقط، بل يزرع السلوك ويشكّل الوعي لدى الأجيال الصاعدة.
ويرى نواري كمال أنّ رفع الحجم الساعي للتكوين إلى 200 ساعة، وزيادة عدد الوحدات إلى 11، يعكس إرادة واضحة في تكوين أستاذ متكامل، قادر على التحكّم في أدواته البيداغوجية، وفهم أدواره التربوية داخل القسم وخارجه، خاصة في ظلّ التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، التي جعلت وظيفة الأستاذ أكثر تعقيدًا وحساسية.
كما يبرز الخبير أهمية تنظيم التكوين، خلال فترة التربّص وبصيغة تناوبية بين المعاهد الوطنية لتكوين موظفي التربية والمؤسّسات التربوية، معتبرًا أنّ هذا الربط بين التكوين النظري والممارسة الميدانية يسمح للأستاذ المتربّص بتجاوز الفجوة بين ما يُدرَّس في القاعات وما يعيشه داخل القسم، ويُكسبه مهارات التسيير البيداغوجي والتواصل التربوي.
وفيما يتعلق بالتأطير، ثمّن نواري كمال إشراك مفتّشي التعليم والأساتذة المميّزين وأساتذة المعاهد وأصحاب الاختصاص، معتبرًا أنّ تنوع المؤطّرين يثري التجربة التكوينية، وينقل الخبرة المهنية المتراكمة، ويُسهم في بناء ثقافة تربوية قائمة على المرافقة والتقويم بدل الاكتفاء بالتوجيه الإداري.
أمّا بخصوص آليات التقييم، فيؤكّد الخبير أنّ اعتماد المراقبة البيداغوجية والامتحان النهائي وتقرير نهاية التكوين، يعكس رغبة في إضفاء الجدية على مرحلة التكوين، وجعلها مرحلة حاسمة في المسار المهني للأستاذ، بما يعزّز مبدأ الاستحقاق ويكرّس ثقافة المسؤولية المهنية منذ البداية.
ولفت الخبير نواري إلى أنّ القرار يؤسّس لرؤية تربوية طويلة المدى، تجعل من الأستاذ محور الإصلاح الحقيقي، مشدّدًا على أنّ الاستثمار في التكوين البيداغوجي التحضيري هو استثمار في المتعلّم وفي المدرسة وفي المجتمع ككل، لأنّ «مدرسة قوية تبدأ بأستاذ مُكوَّن بيداغوجيًا ومُحصَّن قيميًا، وقادر على أداء رسالته التربوية بوعي ومسؤولية».



