احتكــام إلـى القواعـد التجاريـــة وليـس الظـــروف الطارئـــة علــى الساحـة الدوليـة
دفعت الحرب في الشرق الأوسط، أسعار النفط إلى الاقتراب من 90 دولارا للبرميل، مع توقّعات بأن تصل إلى 100 دولار إن استمرت الحرب أكثر من شهر بحسب خبراء الطاقة العالميين، فيما ارتفعت أسعار الغاز المسال في السوق الأوروبية إلى مستوى قياسي فاق 100 بالمائة، وأمام هذه الأوضاع المستجدة على السوق، تحولت أنظار بعض المراقبين خاصة من أوروبا باتجاه الجزائر، التي تحتفظ دوما بموقعها كمموّن طاقوي موثوق، بغض النظر عن الظروف الدولية.
تبرز الجزائر، كفاعل أساسي في سوق الطاقة الدولي والإقليمي، نظرا للقرب الجغرافي وتوفّر بنية تحتية استراتيجية متمثلة في أنابيب الغاز، إلى جانب كونها بلدا رياديا، في صناعة السلم والاستقرار في الفضاء المتوسّطي، يضمن إمدادات آمنة للسوق الأوروبية، سواء تعلّق الأمر بالطاقة التقليدية أو الطاقات المتجدّدة.
في السياق، أوضح خبراء في الطاقة، في اتصال مع «الشعب» أمس، أنّ الجزائر تحتفظ بمكانتها المركزية كمموّن موثوق، يحتكم إلى القواعد التجارية، ولا يرهن السوق النفطية إلى الحسابات الجيوسياسية الظرفية، ناهيك عن امتلاكها الثقل الإقليمي الطبيعي، الذي تجاوز كونها مصدّرا للطاقة الأحفورية.
وقال الخبير الطاقوي، أحمد طرطار، أنّ «الجزائر بكل تأكيد هي مموّن رئيسي للطاقة لأوروبا بصورة خاصة، بحيث تحتل في الغاز المرتبة الثانية بعد النرويج، من حيث الإمداد بالغاز عبر الأنابيب، بما يعادل تقريبا 30 مليار متر مكعب يتم تصديرها عبر أنبوب «ميد غاز» باتجاه إسبانيا، وكذلك أنبوب «ترانسميد» باتجاه إيطاليا الذي ينقل حوالي 14 مليار متر مكعب، بالاضافة إلى الغاز المسال».
مموّل آمن وموثوق
بالتالي، يقول طرطار، إنّ الجزائر هي ممول أساسي ورئيسي للقارة الأوروبية، مشيرا إلى أنّ البعض يعتقد بأنّ الاهتمام الأوربي بالغاز في الجزائر، يعود إلى التطورات الجيوسياسية على غرار الحرب الروسية-الأوكرانية، ولكن مكانتها في هذا السوق «تقليدية» ولها صفة الشريك الأساسي الوازن والموثوق، نظرا لعدة اعتبارات.
وأشار محدثنا إلى أنّ محدّدات الجزائر، في السوق الغازية، واضحة وترتبط بحصص مضمونة، لها ارتباط مباشر بكمية الإنتاج الإجمالي السنوي والذي يناهز 100 مليار متر مكعب، وتصدّر منه الجزائر قرابة 50 بالمائة، بينما تلبي الطلب المتزايد على الاستهلاك الداخلي.
ولفت طرطار، إلى أنّ الجزائر أقرّت برامج استثمارية، على غرار التحضير للمناقصة الدولية الثانية للاستكشاف، والتي ستطلقها في غضون أشهر لتطوير صناعة الغاز تلبية للطلب المتزايد.
وفّرت الجزائر ميزانية معتبرة لتمويل الاستثمارات الرامية إلى تطوير الصناعة الطاقوية، بقيمة ما يناهز 40 مليار دولار، وفق مخطّط مرتبط بآجال زمنية قصيرة ومتوسطة المدى، بما يؤدّي بالتالي إلى رفع أداء مجمّع سوناطراك، من خلال استقطاب تكنولوجيات متجدّدة وتطوير هذه التكنولوجيات، واستقطاب موارد بشرية جديدة مؤهّلة في سياق عملية التوظيف الدوري الذي يندرج في سياق تحديث هياكلها بصورة عامة، وبالتالي الرفع من كفاءة هذه الإنتاجية.
وبالنسبة للنفط قال المتحدث إنّ «الجزائر منخرطة مع مجموعة «أوبك+» وحدود إنتاجها هو 940 ألف برميل، وتتماشى وفق استراتيجية هذه المجموعة بما يؤدي إلى المحافظة على السعر التوازني»، وتم الاتفاق على رفع الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميا، ما يتماشى ومعطيات السوق، التي تقيمها هذه الآلية التي أنشئت أساسا من الجزائر سنة 2016.
من جهة ثانية، يقول طرطار إنّ الجزائر تتّجه نحو الطاقات النظيفة، لا سيما بالنسبة للهيدروجين الأخضر، حيث أبرمت اتفاقيات مبدئية مع أطراف مختلفة لا سيما الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر، الذي سيمرّ من الجزائر باتجاه إيطاليا ومنها إلى النمسا وألمانيا. وتم في أكتوبر الماضي تكريس اتفاق إبداء حسن النية، الحاجة الملحة لهذه الدول الثلاثة للهيدروجين الأخضر الذي ستباشر الجزائر إنتاجه مع نهاية هذه السنة 2026. وبالتالي تم توريده إلى هذه الدول.
إلى جانب ذلك، أبدت إسبانيا كل الاستعداد لكي تنخرط في استيراد الهيدروجين الأخضر، باعتباره منتوجا مهما للغاية فيما يتعلق بالطاقة البديلة، كذلك هناك آفاق للتصدير بالإضافة إلى الغاز المنقى والأمونيا والكهرباء، من خلال بعث خط كهربائي جديد من الجزائر باتجاه إيطاليا، ويتم التكفّل بهذه المنتوجات المتجدّدة في سياق عملية الإنتقال الطاقوي.
وختم المتحدّث بالقول إنّ الجزائر تتّجه نحو تكريس الطاقة المتجدّدة كهدف رئيسي، سواء ما تعلّق بالطاقة الأحفورية أو الطاقات المتجدّدة، هذه الأخيرة التي تعتبر بديلا مستداما للطاقات التقليدية.
من جهته، أكّد الخبير الطاقوي، توفيق حسني في اتصال مع «الشعب» أمس، أنه وفي ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة، فإنّ الرهان الآن هو مواصلة المشروع الاستراتيجي، الذي يعزّز موقع الجزائر بصفتها مموّنا رئيسيا للطاقات النظيفة لأوروبا.
وقال حسني، إنه في حال استمرت الحرب، فإنّ ذلك سيجعل أسعار الطاقة التقليدية، الغاز والنفط تحلّق عاليا، وهذا سيؤدي إلى التضخّم، وقد لن تستطيع الدول الأوروبية مجاراة الأسعار، ولذلك هي تبحث إمّا استغلال الطاقة النووية، أو العودة إلى الفحم، وهي خيارات بدأت تبحث فيها منذ سنوات، لكن البديل الأمثل هو الطاقات النظيفة، التي ستفتح آفاقا للجزائر لتصبح الفاعل الرئيسي فيها بالنسبة لأوروبا.





