أي تعطيل لممرّ هـرمز سـيؤدي إلى اختناق طاقـوي لعدة دول
في ظل التصعيد العسكري الراهن في الشرق الأوسط، تعود أسواق الطاقة العالمية إلى واجهة الأحداث، باعتبارها الأكثر تأثرا بأي توتر، خاصة وأنّ الأمر يتعلق هذه المرة بمنطقة الخليج، والتي تمثل شريانا حيويا للإمدادات النفطية والغازية نحو مختلف دول العالم، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الأسعار وحركة الأسواق المالية.
أكّد الخبير الاقتصادي عبد الكريم بوحرب في تصريح لـ»الشعب»، أنّ التصعيد العسكري، في منطقة معروفة بكونها مصدر رئيسي للطاقة العالمية، أثر مثلما هو متوقّع على أسواق الطاقة العالمية، مشيرا إلى أنّ سوق النفط قد تنتقل من حالة التذبذب الطبيعي إلى حالة أزمة هيكلية في السوق الطاقوية الدولية.
وأضاف المتحدث، بأنّ التقديرات تشير إلى أنه وعلاوة على المخاطر، ترتفع الأسعار في المرحلة الأولى ما بين 5 و10 دولارات للبرميل، ما يعني أنها مرشّحة للارتفاع أكثر في ظل استمرار التوترات، وأكّد أنه في حال بقاء الأوضاع على حالها خلال الأيام المقبلة، فمن المتوقّع أن تستقر الأسعار فوق مستوى 80 دولارا للبرميل على المدى القصير.
وأشار بوحرب إلى أنّ المخاوف الأكبر تتعلّق بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره نحو 21 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل حوالي خمس الاستهلاك العالمي، وقال إنّ أي تعطيل لهذا الممر سيؤدي إلى اختناق طاقوي لدى عدد من الدول، خاصة في آسيا، كما سيؤثر على صادرات دول الخليج، وليس فقط النفط الإيراني.
وقال أنّ التأثير لن يقتصر على النفط، بل سيمتد إلى الغاز الطبيعي المسال، موضّحا أنّ دولا كبرى مثل قطر، وهي من أكبر مصدّري الغاز المسال في العالم، يمرّ كامل إنتاجها عبر هذا المضيق، وأي توقّف سيخلق أزمة تزويد في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
أكّد الخبير أنّ آثار الحرب على السوق النفطية، تتحكّم فيها ثلاثة عوامل أساسية: أولا أمن الممرات البحرية، خاصة مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ثانيا، سلامة البنية التحتية الطاقوية، حيث أنّ استهداف المنشآت قد يدفع الأسعار لتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل بسهولة، وفي الأخير النطاق الجغرافي للحرب ومدتها الزمنية، إذ كلما توسّعت رقعتها وطال أمدها، زادت التداعيات على الأسواق العالمية.
وفي كل هذا الوضع يمكن جعل السيناريو الأخطر، في اتساع رقعة المواجهة أو استهداف الممرات والمنشآت الحيوية، وهو ما قد يقود إلى صدمة طاقوية عالمية وارتفاعات قياسية في أسعار النفط على المدى المتوسط.
وأوضح بوحرب، أنه في حال حدوث تطورات أخطر في الصراع، مثل إغلاق المضائق البحرية أو استهداف البنية التحتية النفطية، فإنّ سوق الطاقة سيدخل مرحلة أكثر تعقيدا، وكما هو ملاحظ، هناك بعض المؤشّرات التي توحي باقتراب هذا السيناريو.
وأشار المتحدث إلى أنّ استمرار حالة الحرب لأسابيع، قد تدفع أسعار النفط إلى حدود 130 و150 دولارا للبرميل، ويزداد هذا التأثير كلما طال أمد الحرب، خاصة إذا ظهرت مؤشّرات على عدم قدرة الدول المنتجة على الحفاظ على مستويات الإنتاج أو تمرير صادراتها عبر المضائق البحرية.
أمّا على المستوى الاقتصادي، فهناك تداعيات أخرى متوقّعة، من بينها ارتفاع تقلّبات الأسعار في الأسواق المالية. فمؤشّر القلق في الأسواق وصل في أولى الجلسات إلى نحو 22 نقطة، في حين أنّ مستواه الطبيعي يتراوح عادة بين 12 و16 نقطة، ما يعكس حالة توتر كبيرة في الأسواق المالية العالمية.
تابع الخبير أنه في حال استمرار الحرب لأشهر، فمن المتوقّع أن يخسر الاقتصاد العالمي ما لا يقل عن تريليون دولار من الناتج الإجمالي العالمي، مع تزايد الخسائر كلما طالت مدة الصراع، ما قد يؤدي إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي بشكل ملحوظ، ويدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخّمي، وهي وضعية تجمع بين ضعف النمو وارتفاع التضخّم، وقد تستمر آثارها لعدة سنوات، وفي هذه الحالة تصبح سياسات التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة وأقل فعالية، خاصة وأنّ الاقتصاد العالمي ما يزال يعاني من تداعيات جائحة كورونا.
أمّا على مستوى التضخّم، فإنه في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، فمن المتوقّع أن يرتفع معدل التضخّم العالمي بما لا يقل عن 1.2 بالمائة إضافية، وهو ما سيزيد من الضغوط على البنوك المركزية في مختلف دول العالم.
انقطاع سلاسل التوريد
أمّا بخصوص سلاسل التوريد فستعرف انقطاعا واضحا، بالنظر إلى احتمال إغلاق بعض الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، مع وجود مؤشّرات أيضا على إمكانية إغلاق باب المندب، في حال انخراط اليمن في هذه الحرب، وهو سيناريو غير مستبعد.
هذا الوضع سيؤدي إلى تأثر خطوط الإمداد، خاصة النفطية والطاقوية بشكل عام، أما الدول المستوردة فستتعرّض إلى صدمات سعرية حادة، إضافة إلى إشكاليات في التزويد المنتظم بالطاقة، وهو ما سينعكس سلبا على قدراتها الإنتاجية، ويرفع من مستويات التضخّم لديها، وإذا استمرت الاضطرابات الأمنية إلى غاية نهاية 2026، فمن المتوقع أن تسجّل معدلات التضخّم ارتفاعات كبيرة، ما سيصعب على هذه الدول التحكّم فيه.
كما أنّ الطاقة -يقول الخبير- مرتبطة مباشرة بالأسواق المالية، فعند ارتفاع أسعار الطاقة ترتفع العقود الآجلة للنفط، وفي المقابل تنخفض بعض الأسهم، وهو ما بدأت تعكسه الجلسات الافتتاحية للأسواق المالية، حيث يُنتظر أن تفقد العديد من الأسواق جزءا من قيمتها السوقية.
وأوضح المتحدث، أنه في الوقت الحالي، هناك توجه واضح نحو خيار الشراء في أسواق الطاقة، ما يعني أنّ المتعاملين يدعمون صعود الأسعار، وفي المقابل، يزداد الإقبال على الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب.
وبخصوص تدخّل «أوبك+»، فإنّ تأثيره سيكون محدودا، لأنّ الطاقة الإنتاجية الإضافية القصوى قد تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا، وهو رقم لا يعوض فقدان ما يقارب 21 مليون برميل يوميا في حال إغلاق مضيق هرمز، ومع ذلك، يظل تحالف «أوبك+» وازنا في السوق الدولية، وتحرّكاته عادة ما تكون مدروسة وغير متسرّعة، وقد سبق لها أن أعلنت عن زيادة في الإنتاج بأكثر من 200 ألف برميل يوميا، ابتداء من مطلع شهر أفريل المقبل، في إطار توجّه حذر يراعي توازن السوق، دون إغراقه.


