اضطرابات جعلت المنظومة الطاقوية العالمية تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين
يتوقع مستشار دولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف أن الأزمة الطاقوية المحتملة الناتجة عن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، سيبرز أهمية الجزائر كمورد موثوق وفاعل استراتيجي في المتوسط، ضمن سياق دولي متقلب، ترتب عنه اضطرابات سريعة في أسواق النفط والغاز.
يعتقد الخبير الدولي، عبد الرحمان هادف، أن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، وما ترتب عنه من اضطرابات سريعة في أسواق النفط والغاز، جعل المنظومة الطاقوية العالمية تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعد أن شهدت الأسعار ارتفاعا ملحوظا في فترة وجيزة، مدفوعة بمخاوف اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج، خاصة مع حساسية الملاحة عبر مضيق هرمز، وفي هذا السياق المتقلب، تبرز الجزائر مجددا كفاعل جيوسياسي واقتصادي محوري في الفضاء المتوسطي، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومواردها الطاقوية، وتاريخها الدبلوماسي القائم على التوازن والحوار.
وأفاد هادف في حديث لـ “الشعب”، أن الجزائر تعد كمورد موثوق في سياق أزمة طاقوية متجددة أعادت الحرب الحالية تسليط الضوء على مسألة أمن الطاقة الأوروبي، خاصة في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية منذ 2022، وما نتج عنها من إعادة تشكيل لخريطة الإمدادات نحو أوروبا، وفي هذا السياق الدولي، عززت الجزائر موقعها كمورد موثوق للغاز الطبيعي نحو الضفة الشمالية للمتوسط، عبر شبكة أنابيب استراتيجية تربطها مباشرة بالقارة الأوروبية.
التوقعات -حسب هادف- تبقى رهينة عاملين أساسيين: مدة الأزمة، ومستوى الطلب الأوروبي في ظل تباطؤ اقتصادي محتمل، ورغم ذلك، فإن الجزائر اليوم ليست “مجرد مستفيد ظرفي من ارتفاع الأسعار، بل شريك طاقوي استراتيجي” تبحث عنه الدول الأوروبية في إطار تنويع مصادرها وتقليص الاعتماد على الإمدادات غير المستقرة، مشيرا إلى أن هذه المعادلة تمنح الجزائر هامشا تفاوضيا أكبر، سواء على مستوى العقود أو على مستوى الشراكات الاستثمارية طويلة الأمد.
كما أكد الخبير أنه يمكن أن تسهم الأزمة الراهنة في تعزيز مكانة الجزائر كقوة طاقة رئيسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، موضحا أنه بين هشاشة بعض مناطق الإنتاج التقليدية، والقيود الجيوسياسية المفروضة على بعض الموردين، تبرز الجزائر كبلد يتمتع باستقرار مؤسساتي، وبنية تحتية قائمة، وخبرة طويلة في إدارة علاقات طاقوية مع أوروبا.
غير أن التحول إلى “قوة طاقة” – بالنسبة للمتحدث- لا يقاس فقط بحجم الاحتياطات أو الصادرات، بل أيضا بالقدرة على لعب دور في استقرار السوق، وهنا تكمن أهمية المقاربة الجزائرية القائمة على الاعتدال والتوازن داخل آليات التشاور الطاقوي، بما يسمح بتفادي التقلبات الحادة التي تضر بالمنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وفي سياق تحليله لتداعيات غلق مضيق هرمز، يعتقد هادف أن الحفاظ على استقرار الأسعار ضمن نطاقات معقولة، يخدم المصالح الإستراتيجية بعيدة المدى، ويعزز صورة الجزائر كشريك مسؤول يسعى إلى استدامة السوق لا إلى استغلال الأزمات، ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجزائر– بالنسبة له- يتمثل في كيفية تحويل الظرف الطاقوي الاستثنائي إلى رافعة تنموية مستدامة، لافتا إلى أن التاريخ الاقتصادي يبين أن فترات “الطفرة في الأسعار” قد تتحول إلى فرص ضائعة، إذا لم تستثمر في تنويع القاعدة الإنتاجية.
ويرى المتحدث أن توجيه جزء من العائدات الإضافية نحو الاستثمار في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة، وتطوير سلاسل القيمة المحلية المرتبطة بالطاقة، وتعزيز مشاريع التحول الطاقوي، يمكن أن يشكل مدخلا حقيقيا لبناء اقتصاد أكثر تنوعا، كما أن توسيع الشراكات مع أوروبا ليشمل مجالات الهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والصناعات التحويلية، قد يرسخ مكانة الجزائر ليس فقط كمورد للمواد الأولية، بل كفاعل صناعي وتقني.
في هذا الصدد، يؤكد هادف أن الجزائر كفاعل جيوسياسي في مرحلة عدم اليقين في بيئة دولية تتسم بالاستقطاب والتوتر، تمتلك بلادنا رصيدا تاريخيا في تبني خطاب قائم على الحوار وعدم الانحياز ودعم الحلول السلمية، هذا الرصيد يمنحها مصداقية في الدعوة إلى خفض التصعيد، ويعزز مكانتها كطرف يسعى إلى استقرار الأسواق الإقليمية والدولية، ومع تزايد أهمية الطاقة في حسابات الأمن الأوروبي، إذ لم تعد الجزائر- كما قال – مجرد مراقب للتوازنات في الضفة الشمالية للمتوسط، بل أصبحت لاعبا رئيسيا في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي.
غير أن هذا الدور يقتضي -حسب هادف- إدارة دقيقة للعلاقات مع مختلف الشركاء، بما يضمن الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وتعزيز المصالح الإستراتيجية للبلاد، ليخلص إلى أن التطورات الأخيرة تكشف أن الجزائر تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، لأن الأزمة الطاقوية المحتملة الناتجة عن التصعيد العسكري الجاري، أعادت إبراز أهميتها كمورد موثوق وفاعل استراتيجي في المتوسط، ويبقى الرهان الحقيقي – بالنسبة له- لا يكمن فقط في حجم العائدات المتوقعة، بل في كيفية توظيفها لتعزيز التنويع الاقتصادي، وترسيخ الاستقرار المالي، وتوسيع الشراكات الصناعية والتكنولوجية.
وفي هذا السياق، يرى هادف أنه من الضروري أن تدرك الدول الأوروبية أن العلاقة مع الجزائر لا ينبغي أن تبقى محصورة في منطق المورد والمستهلك، بل يجب أن تتطور نحو شراكة متجددة تقوم على استثمارات مشتركة ومستدامة، ونقل للتكنولوجيا، وتطوير سلاسل قيمة صناعية متكاملة في الضفتين، مشيرا إلى أن استقرار الإمدادات الطاقوية الأوروبية، يرتبط أيضا باستقرار وتنمية الدول الشريكة في جنوب المتوسط.
كما يرى هادف أن المرحلة الراهنة تفرض رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، قوامها تقاسم المصالح والمخاطر، وبناء نموذج تعاون أكثر توازنا وعمقا، ومن منظوره كخبير دولي في جغرافيا الاقتصاد، يمكن للجزائر أن تتحول من مجرد فاعل طاقوي مهم إلى شريك استراتيجي في صياغة مستقبل الطاقة والتنمية في الفضاء المتوسطي، بما يخدم الاستقرار الإقليمي والمصالح المشتركة على المدى الطويل.



