الجزائر – الفاتيكان.. جهود لا تتوقف من أجل العدالة والسلام
تعزيز الحوار المشترك ومواجهة التحديات العالمية الراهنة
حلّ أمس بالجزائر، أحد أهم الشخصيات الدينية في العالم المسيحي، في زيارة رسمية تاريخية تحمل أبعادا سياسية وإنسانية وحضارية بالغة الأهمية، حيث استقبل رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، قداسة البابا ليون الرابع عشر في حدث تصدّر المشهد الإعلامي ويكتسي أهمية بارزة على الساحة الدولية.
عكست الزيارة التي جاءت تلبية لدعوة رسمية من رئيس الجمهورية، توافقا لافتا بين الجزائر ودولة الفاتيكان حول ضرورة تعزيز الحوار المشترك ومواجهة التحديات العالمية الراهنة، لتؤسّس بذلك لمحطة محورية في مسار العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والسعي الدؤوب لنشر قيم التسامح والتعايش السلمي بين الشعوب، مبرزة دور الجزائر كدولة محورية تحظى باحترام عالمي كبير.
وفي مستهل هذه الزيارة وخلال لقاء جمعهما بجامع الجزائر، الذي يمثل صرحا وطنيا جزائريا دينيا وحضاريا شامخا يعكس الهوية الوطنية، رحّب رئيس الجمهورية بضيفه في أرض التاريخ العريق وتلاقي الحضارات، مشيرا بوضوح إلى أنّ هذه الزيارة تختزل طموحات وتطلّعات يتقاسمها الطرفان على أكثر من صعيد.
في سياق متصل، أبرز رئيس الجمهورية أهمية الروابط الإنسانية التي تجمع ضفتي المتوسّط، حين رحّب بالبابا في الأرض التي أنجبت أباه الروحي القديس أوغستين باعتباره أحد أعظم أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية، معبّرا عن اعتزاز الجزائر العميق بهذا الإرث الإنساني وهو فخر لا يختلف عن فخر الجزائريين بمؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر.
من جهته، ومن ساحة رياض الفتح التي ترمز لبطولات وتضحيات الشعب الجزائري من أجل استرجاع حريته وسيادته الوطنية، ألقى البابا ليون الرابع عشر كلمة مهمة أمام الوفود الحاضرة، حيث أكّد بنظرة تحليلية للواقع أنّ الجزائر القوية بجذورها وأمل شبابها تظلّ قادرة على مواصلة إسهامها الحيوي والفعّال في تكريس الاستقرار والحوار داخل المجتمع الدولي وعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط، علاوة على ذلك، أشاد البابا بالتراث الغني الذي يميّز الجزائر والذي شكّل حصنا منيعا لها وعزّز مسيرتها في الأوقات الصعبة ولا يزال يوجه مستقبلها الواعد، مخاطبا الشعب الجزائري بكلمات تعكس تقديرا كبيرا لمسيرته، حين قال: «إنّ تاريخ الجزائر عرف الألم وعانى من فترات عنف قاسية لكن هذا الشعب عرف كيف يتجاوز كل ذلك بشرف وشجاعة»، واصفا الجزائر بالبلد النبيل الذي يمثل ملتقى حقيقيا ومفتوحا للثقافات والأديان، يمتد إشعاعه منذ زمن القديس أوغستين وإلى غاية يومنا هذا.
ولم تقتصر المباحثات والكلمات المتبادلة في هذا الحدث الهام، والذي يحظى بتغطية عالمية، على الجوانب الثنائية والمحطات التاريخية فحسب، بل ركّز كذلك على قراءة واقعية للوضع الإقليمي والدولي الراهن، والذي يعرف حالة عدم استقرار، بالإضافة إلى التطرّق للتحديات التي تواجه السلم والأمن العالميين، حيث اعتبر رئيس الجمهورية ضيفه خير نصير للعدالة الاجتماعية، في زمن اتسعت فيه الهوة الاقتصادية بشكل مقلق بين دول الشمال ودول الجنوب، مذكّرا العالم بأنّ الجزائر من أشد الدول حرصا على هذه العدالة التي خاضت ثورتها المجيدة من أجل تحقيقها وتكريسها واقعا ملموسا. في نفس السياق، التقت إرادة الطرفين عند ضرورة التدخّل الإنساني العاجل لوقف آلة الحرب، إذ ثمن الرئيس الموقف الشّجاع والإنساني للبابا من مأساة غزّة ومآسيها المتعدّدة، لترتفع الأصوات المشتركة بصوت واحد داعية كل الضمائر الحية في العالم لإنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه الفوري من الإغاثة والحد من الجرائم الممنهجة المسلّطة عليه وإعلاء حقه غير القابل للتصرّف أو التقادم لإقامة دولته، كما تقاطع صوت الجزائر مع الفاتيكان في الدعاء والمناصرة، من أجل توفير الأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان لتجاوز محن الظلم والعدوان.
ويرى العديد من المتابعين بأنّ هذه الزيارة التاريخية التي قادت البابا إلى الجزائر، تعكس المكانة التاريخية الكبيرة التي تحظى بها الجزائر في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة المتوسط، باعتبارها منطقة تقاطع الثقافات، وملتقى حقيقي للتعايش السلمي وحوار الحضارات، وهذه الخطوات تمثل ردّا قويا على كل المشكّكين في الجزائر وهويّتها وثقافتها وعراقتها.



