^ رابح زاوي لـ“الشعب“: تعزيز الثقة بين البلدين الشقيقين وتوسيع التعــــاون
توجت زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، إلى الجزائر بجملة من التفاهمات التي تعكس رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما الثنائية وإعطائها دفعا جديدا خاصة في مجالي الأمن والطاقة باعتبارهما من أبرز محاور التعاون ذات الأولوية في المرحلة الحالية.
أكد المحلل السياسي رابح زاوي، في تصريح لـ»الشعب» أن هذه الزيارة تمثل بداية مسار جديد في العلاقات بين الجزائر وسوريا يقوم على توسيع مجالات التعاون في إطار مقاربة واقعية تعتمد على المصالح المشتركة والتكامل بين الإمكانات المتاحة لدى البلدين.
ولفت زاوي إلى أن الحركية التي تشهدها العلاقات الثنائية تعكس رغبة مشتركة في الانتقال من مرحلة التشاور السياسي إلى مرحلة بناء شراكات عملية في عدد من القطاعات الحيوية التي يمكن أن تحقق مكاسب متبادلة للطرفين، وأضاف أن هذه الزيارة تأتي في ظرف إقليمي ودولي يتسم بتحولات متسارعة تدفع العديد من الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها وشراكاتها الخارجية على أسس أكثر واقعية وبراغماتية.
وأبرز المحلل السياسي أن الجزائر وسوريا تبدوان اليوم أمام فرصة لإعطاء مضمون جديد لعلاقاتهما الثنائية، من خلال التركيز على مجالات التعاون القابلة للتجسيد ميدانيا، مشيرا إلى أن العلاقات بين البلدين ليست ظرفية أو مرتبطة بمرحلة معينة بل تستند إلى رصيد تاريخي وسياسي متراكم، حيث ارتبطت الجزائر وسوريا عبر عقود بمواقف متقاربة تجاه العديد من القضايا العربية والدولية.
واعتبر المتحدث أن هذا الرصيد يمثل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها لتطوير علاقات أكثر استقرارا وفعالية في المرحلة المقبلة. كما أوضح أن هذا البعد التاريخي يمنح العلاقات الجزائرية السورية خصوصية معينة مقارنة بعلاقات أخرى في المنطقة، لكونه يقوم على تراكم من التفاهم السياسي والتقارب في الرؤى حول العديد من الملفات، وهو ما من شأنه أن يسهل إطلاق مشاريع تعاون جديدة ويعزز فرص نجاحها.
من جهة أخرى، لفت زاوي إلى أن الزيارة تعكس توجها متزايدا نحو إعادة الاعتبار لمفهوم التعاون العربي العربي القائم على المصالح المشتركة. ووفق المحلل فإن الجزائر وسوريا تتقاسمان رؤية متقاربة تقوم على احترام سيادة الدول ودعم الحلول السياسية للأزمات ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول.
وفي السياق ذاته، أشار محدثنا إلى أن البعد السياسي للزيارة لا يقتصر فقط على العلاقات الثنائية، بل يمتد إلى تعزيز التشاور والتنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية التي تهم البلدين، مضيفا أن إعادة تنشيط قنوات الحوار السياسي من شأنها أن تمنح البلدين هامشا أكبر للتنسيق داخل الفضاء العربي وفي مختلف المحافل الدولية.
وأكد زاوي أن أحد أبرز الملفات التي استقطبت الاهتمام خلال هذه الزيارة يتعلق بالتعاون الأمني، بالنظر إلى الخبرة التي راكمتها الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وأوضح أن التجربة الجزائرية أصبحت محل اهتمام في العديد من الدول بسبب اعتمادها على مقاربة شاملة جمعت بين الحزم الأمني والمعالجة السياسية والاجتماعية.
وأضاف المتحدث أن الجزائر استطاعت على مدار سنوات تطوير آليات فعالة في مواجهة التهديدات الأمنية، ليس فقط من خلال العمل الميداني، وإنما أيضا عبر بناء مقاربة وقائية تقوم على تعزيز الاستقرار وترسيخ المصالحة الوطنية. ولفت إلى أن هذه التجربة يمكن أن تقدم العديد من الدروس المفيدة للدول التي تواجه تحديات أمنية معقدة، مضيفا أن سوريا تمر بمرحلة تتطلب إعادة بناء وتطوير عدد من المؤسسات، الأمر الذي يجعل تبادل الخبرات والتجارب بين البلدين أمرا ذا أهمية كبيرة. كما أشار إلى أن التعاون الأمني يمكن أن يشمل مجالات التكوين والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات وتطوير آليات التنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
قطاع الطاقة مجال حيوي
وفي الجانب الاقتصادي، لفت المحلل إلى أن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم مجالات التعاون الممكنة بين الجزائر وسوريا، بالنظر إلى الخبرة التي تمتلكها الجزائر في إدارة وتطوير قطاع المحروقات. وأوضح أن المؤسسات الجزائرية الرائدة في هذا المجال راكمت خبرة معتبرة يمكن أن تشكل قيمة مضافة لأي مشاريع تعاون مستقبلية، مشيرا إلى أن سوريا تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة تأهيل عدد من المنشآت والبنى التحتية المرتبطة بالطاقة، وهو ما يفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرة الجزائرية في هذا القطاع. وأضاف أن التعاون يمكن أن يمتد إلى مجالات الاستكشاف والإنتاج والتكوين ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات البشرية.
وأفاد محدثنا بأن التحولات التي يشهدها العالم في مجال الطاقة تجعل من الضروري التفكير في آفاق تعاون تتجاوز المحروقات التقليدية لتشمل الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، مشيرا إلى أن هذا المجال يتيح فرصا مهمة للبلدين بالنظر إلى الإمكانات التي يتوفران عليها.
وفي بعد اقتصادي أوسع، أوضح زاوي أن العلاقات بين الجزائر وسوريا لا تقتصر على قطاعي الأمن والطاقة فقط، بل يمكن أن تمتد إلى مجالات أخرى مثل الاستثمار والصناعة والخدمات والنقل والتكوين المهني. واعتبر أن تنويع مجالات التعاون من شأنه أن يمنح العلاقات الثنائية بعدا أكثر استدامة، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة قد تفتح المجال أمام شراكات في مجالات إعادة الإعمار والبنية التحتية والخدمات التقنية، خاصة إذا تم وضع أطر مؤسساتية واضحة لتنظيم هذا التعاون وتحديد أولوياته.
وفي بعد ثقافي وعلمي قال المحلل أن العلاقات بين البلدين تمتلك مقومات كبيرة للتطور، من خلال توسيع برامج التبادل الأكاديمي والعلمي وتكثيف التعاون بين الجامعات ومراكز البحث. وأضاف أن هذه الجوانب لا تقل أهمية عن الجوانب السياسية والاقتصادية لأنها تساهم في تعزيز التقارب بين الشعبين. ولفت أيضا إلى أهمية تعزيز التعاون في مجالات الثقافة والإعلام والتكوين، معتبرا أن بناء علاقات قوية بين الدول لا يتحقق فقط عبر الاتفاقيات الرسمية وإنما كذلك من خلال توسيع جسور التواصل الإنساني والمعرفي.


