خيار سيادي لتعزيز الاندماج الوطني وفك العزلة عن الجنوب الكبير
تكامل الخطوط المنجمية والسكة الحديدية الكبرى لتنويع الاقتصاد
في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها الجزائر على صعيد تطوير البنى التحتية وتعزيز مقومات الاندماج الاقتصادي الوطني، يبرز مشروع السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنغست، كأحد أضخم المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها السلطات العليا للبلاد بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لإعادة رسم خريطة التنمية باعتبارها أحد أهم المشاريع الهيكلية في الجزائر.
خلال ترؤسه مساء الأحد المنصرم، اجتماعا لمجلس الوزراء خصص لعرض ومناقشة عدد من الملفات، أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني بمتابعة مشروع السكة الحديدية للجنوب، الجزائر العاصمة – الأغواط – غرداية – المنيعة – إن صالح – تمنغست، إضافة إلى خط السكة الحديدية المنجمي ببلاد الحدبة – وادي الكبريت.
وفيما يتعلق بمشروع السكة الحديدية للجنوب (الجزائر العاصمة – الأغواط – غرداية – المنيعة – إن صالح – تمنغست)، أمر رئيس الجمهورية الحكومة بتركيز جهودها على تجسيد هذا الرهان الجديد للقرن، المزمع دخوله حيز الخدمة نهاية سنة 2028، الذي لا يقل أهمية عن مشروع غارا جبيلات.
في ضوء ذلك، أكد الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، مراد كواشي، في تصريح لـ»الشعب»، أن مشروع السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنغست يعد «مشروع القرن» بالنسبة للجزائر، مبرزا أنه كان من بين الالتزامات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في بداية عهدته الرئاسية الأولى، والمتعلقة بإيصال شبكة السكك الحديدية إلى أقصى الجنوب بتمنغست.
وأضاف أن «هذا المشروع الذي يحظى بمتابعة مباشرة من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، خيار سيادي يعكس إرادة سياسية لتكريس التوازن الجهوي وفك العزلة عن مناطق الجنوب الكبير.»
وأشار الأكاديمي إلى أن المشروع الاستراتيجي والخط الحيوي، يمتد عبر مسار طويل يربط شمال البلاد بعمقها الإفريقي، مرورا بعدد من الولايات المحورية، ما يمنحه بعدا جغرافيا واستراتيجيا بالغ الأهمية، ولفت إلى أنه يأتي في ظرف إقليمي ودولي يتسم بتزايد التحديات الاقتصادية والأمنية، الأمر الذي يضفي عليه طابعا متعدد الأبعاد، يجمع بين الرهانات التنموية والاعتبارات الجيوسياسية، وينتظر – حسب كواشي – أن يساهم في خلق ديناميكية اقتصادية جديدة، تدعم توجه الجزائر نحو تنويع اقتصادها وتعزيز صادراتها خارج قطاع المحروقات.
تعزيــز البنـى التحتيــة
وأوضح الخبير كواشي أن المشروع يندرج ضمن استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز البنى التحتية، مشيرا إلى الديناميكية التي يشهدها القطاع مؤخرا من خلال إطلاق مشاريع كبرى، على غرار خط السكة الحديدية الغربي بطول يقارب 950 كيلومترا، إلى جانب مشروع الخط المنجمي الشرقي الذي يتجاوز 430 كيلومترا، غير أن مشروع ربط العاصمة بتمنغست يظل الأضخم والأكثر دلالة، بالنظر إلى أبعاده الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، وأشار إلى أن المشروع استراتيجي بامتياز ولا يقتصر على أبعاده الوطنية فحسب، إذ يحمل أبعادا دولية، خاصة في علاقته بفضاء الساحل الإفريقي، حيث سيساهم في ربط هذه المنطقة بالعالم الخارجي عبر الجزائر، بما يعزز مكانتها الجيو-استراتيجية.
وأضاف كواشي أن المشروع سيساهم بشكل مباشر في فك العزلة عن مناطق أقصى الجنوب، وتسهيل تنقل الأشخاص والبضائع بين شمال البلاد وجنوبها، بما يعزز الاندماج الوطني، كما سيمنح الجزائر موقعا استراتيجيا كبوابة حقيقية نحو دول الساحل، خاصة «الدول الحبيسة» التي تفتقر إلى منفذ بحري.
وأشار محدثنا إلى أن دولا مثل النيجر ستستفيد من هذا المشروع، حيث سيمكنها من الوصول إلى الأسواق العالمية عبر الشبكة الحديدية الجزائرية، ما يفتح آفاقا جديدة للتبادل التجاري والتكامل الاقتصادي الإقليمي، ويدعم توجه الجزائر نحو رفع صادراتها خارج قطاع المحروقات، وأوضح أن مشروع القرن لا يقتصر دوره على تسهيل تنقل الأشخاص والبضائع، بل يتجاوز ذلك ليشكل رافعة حقيقية لتحريك عجلة الاستثمار، خاصة في المناطق التي تزخر بإمكانات طبيعية ومعدنية معتبرة.
وشدد الخبير على أن المشروع سيساهم في تهيئة بيئة استثمارية واعدة في الجنوب، من خلال تطوير البنية التحتية وتحسين مناخ الأعمال، ما من شأنه تحفيز الاستثمارات، خاصة في القطاعات المنجمية والمعدنية، واستغلال الثروات الطبيعية الهامة التي تزخر بها المنطقة، إلى جانب دفع عجلة التنمية الاقتصادية في مختلف المجالات.
وفي الشق الأمني، أكد كواشي أن تجسيد مشاريع كبرى من هذا الحجم، لاسيما في المناطق الحدودية، من شأنه أن يساهم في الحد من مختلف أشكال الاستغلال غير المشروع لهذه الفضاءات التي قد تتحول في ظل العزلة والتهميش إلى بيئة خصبة لبعض الأنشطة غير القانونية. فتعزيز الحضور التنموي للدولة عبر البنى التحتية يعد عاملا حاسما في دعم الاستقرار وترسيخ الأمن. يقول كواشي.




