يحل عيد العمال هذه السنة في سياق اجتماعي يتسم بحدة غير مسبوقة في النقاش العمومي حول القدرة الشرائية في المغرب، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على مطالب مهنية تقليدية، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة عميقة للخيارات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل شعور واسع بأن الأزمة لم تعد ظرفية بل أصبحت بنيوية، نتيجة تراكم اختلالات مرتبطة بتدبير السياسات العمومية، وفي مقدمتها فشل الحكومة في احتواء موجة الغلاء المتصاعد.
هذا الواقع جعل من فاتح ماي محطة احتجاج رمزية أكثر منه احتفالاً، حيث تتقاطع فيه أصوات العمال مع انتقادات اجتماعية واسعة توجه مباشرة إلى الحكومة المخزنية التي فشلت في ضبط التوازن بين السوق والحماية الاجتماعية، ما أدى إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتآكل الطبقة المتوسطة.
غـلاء المعيشـة.. أزمة تتعمـق
تشير المعطيات الاجتماعية إلى استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات والخدمات الأساسية، مقابل جمود نسبي في الأجور والمعاشات، وهو ما خلق فجوة حادة بين الدخل وتكلفة الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المغربية التي فشلت في اتخاذ إجراءات ناجعة للحد من التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يرى متتبعون أن التدابير المتخذة ظلت محدودة الأثر، وغير قادرة على وقف نزيف الأسعار أو التخفيف من وقعها الاجتماعي.
هذا الوضع لم يعد مجرد نقاش اقتصادي، بل تحول إلى أزمة ثقة اجتماعية، تعكس اختلالاً في التوازن بين السياسات الاقتصادية والبعد الاجتماعي للدولة.
مطالـب اجتماعيـة متصاعــدة
في ظل هذا الوضع، تتصاعد مطالب واضحة بإعادة النظر في منظومة الأجور، من خلال الرفع الفوري والحقيقي للرواتب، وتحسين معاشات التقاعد، وضمان حماية فعلية لذوي الحقوق، باعتبارهم الأكثر تضرراً من تراجع القدرة الشرائية.
كما يبرز مطلب تفعيل آلية ربط الأجور بالأسعار بشكل تلقائي، بما يضمن حماية العمال من تقلبات السوق، إلى جانب الدعوة إلى تسقيف أرباح بعض القطاعات الحيوية، خاصة تلك المرتبطة بالمواد الأساسية والمحروقات.
وفي السياق نفسه، تتزايد الدعوات إلى إصلاح ضريبي عادل يعيد النظر في الضريبة على الدخل، من خلال توسيع الإعفاءات وتقليص الضغط على الأجراء الذين يتحملون عبئاً كبيراً من المنبع.
التقاعد وحـق الإضــراب
ملف أنظمة التقاعد يظل من أكثر الملفات حساسية، حيث يُرفض أي إصلاح يُنظر إليه كمساس بالمكتسبات الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بسن التقاعد أو قيمة المعاشات أو نسب المساهمات.
وفي الخلفية، يطفو نقاش آخر حول الحق في الإضراب، في ظل مخاوف من توجهات تنظيمية قد تُقرأ اجتماعياً كـمحاولة لتقييد هذا الحق الدستوري، ما يزيد من حدة التوتر بين الفاعلين الاجتماعيين والسلطات العمومية.
وفي هذا السياق، يوجه جزء من الخطاب الاجتماعي انتقادات إلى الحكومة التي فشلت في بناء توافق اجتماعي حقيقي حول الإصلاحات الكبرى، واكتفت بمقاربات تقنية دون عمق اجتماعي.
هشاشة ســوق الشغـل
على مستوى سوق الشغل، تستمر مظاهر الهشاشة داخل القطاع الخاص، سواء من حيث ضعف الأجور أو غياب الاستقرار المهني أو ضعف احترام شروط السلامة والصحة المهنية داخل عدد من الوحدات الصناعية والفلاحية.
وتشير معطيات ميدانية إلى استمرار تسجيل حوادث شغل في بعض القطاعات، ما يطرح سؤال فعالية الرقابة، ودور جهاز تفتيش الشغل، في ظل مطالب متزايدة بتقويته وتزويده بالوسائل الكفيلة بفرض احترام القانون.
ثقـة تتآكـل وسلطـة تحت الضغـط
يتضح من خلال مجمل المؤشرات أن السلم الاجتماعي في المغرب أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة السياسات العمومية على الاستجابة للمطالب اليومية للمواطنين، وليس فقط بالمؤشرات الاقتصادية الكبرى.
غير أن هذا الرهان يصطدم بـفشل الحكومة في تحويل الشعارات الاجتماعية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي في عدد من القطاعات.
فـاتح مــاي كجــرس إنذار اجتماعـي
يبدو أن فاتح ماي هذه السنة يتجاوز طابعه الرمزي التقليدي ليصبح لحظة مكاشفة اجتماعية صريحة، تعكس عمق الأزمة المرتبطة بالقدرة الشرائية في المملكة، وتكشف في الوقت ذاته حجم الانتظارات الموجهة نحو السياسات العمومية.
وفي ظل استمرار ارتفاع الأسعار، وتآكل الطبقة المتوسطة، وتزايد المطالب الاجتماعية، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الحكومة على تصحيح مسارها، بعد أن باتت الاتهامات بـفشل الحكومة في تدبير الملف الاجتماعي تتكرر بشكل واضح في النقاش العمومي، ما يجعل من المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى نجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.


