28 اتفاقيـــــــة ومذكّرة تفاهم.. من التقارب إلى الشراكــة الاستراتيجيــة
سوناطراك والموانئ الجزائرية.. فكّ العزلة عن وسط إفريقيــا
طريـق الصّحراء والسّكك الحديدية.. محرّكات الاندماج القاري
الرّصيد الدبلوماسي يتحوّل إلى مشاريع تنموية.. خارطــة طريــق جديـدة
اختتمت زيارة رئيس جمهورية تشاد، محمد إدريس ديبي إتنو إلى الجزائر، بنتائج أرفع من رقم الاتفاقيات الموقّعة، رغم أنّ التوقيع على ثمانية وعشرين اتفاقا ومذكّرة تفاهم يمنح الزيارة ثقلا سياسيا واقتصاديا واضحا، فالأهم في هذه المحطة أنها كشفت مرّة أخرى عن طبيعة المقاربة التي يدفع بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في اتجاه إفريقيا، وهي مقاربة تقوم على تحويل الرّصيد السياسي والدبلوماسي للجزائر في القارة إلى مشاريع عملية.
بهذا المعنى، جاءت نتائج زيارة الرئيس التشادي لتؤكّد أنّ الجزائر تتحرّك في إفريقيا وفق تصوّر متدرّج، يبدأ بتثبيت الثقة السياسية، ثم ينتقل إلى بناء أدوات التعاون الاقتصادي، قبل أن يصل إلى الربط الفعلي عبر البنى التحتية، النقل، الطاقة، التكوين والموانئ، وهذا ما يجعل العلاقة مع تشاد ذات دلالة خاصة، لاسيما وأنّ نجامينا تقع في عمق جغرافي يحتاج إلى منافذ وأسواق ومسالك تجارية، بينما تمتلك الجزائر موقعا جغرافيا وقدرات تسمح لها بأن تكون بوابة نحو البحر المتوسط بالنسبة لعدد من الدول الإفريقية الداخلية.
وجاء البيان المشترك الذي توّج زيارة رئيس جمهورية تشاد، متضمّنا لكل ما يؤكّد أنّ العلاقات بين البلدين ارتقت إلى المستوى الاستراتيجي، حيث فصل في خارطة الطريق للتعاون المقبل، في قطاعات حيوية على غرار البنى التحتية والطاقة مع تشكيل لجان مشتركة وآليات متابعة ميدانية.
وتحوز الجزائر – في هذا المسار – بنية تحتية آخذة في التوسّع، وتجربة كبيرة في قطاعات الطاقة والمناجم والصناعة والتكوين، وقدرة على بناء ممرّات تربط الساحل ووسط إفريقيا بالشمال، فالطريق العابر للصّحراء لم يعد مجرّد مشروع قديم، لأنه يمثل جزءا من رؤية واقعية أشمل، لفكّ العزلة عن العمق الإفريقي وربطه بالموانئ الجزائرية، كما أنّ مشروع السّكة الحديدية الممتدة نحو تمنراست يمنح هذا التوجه بعدا أكثر واقعية؛ لأنه يضع النقل السّككي في خدمة الربط الاقتصادي مع الجنوب، ويفتح المجال – مستقبلا – أمام شبكات تبادل أكثر انتظاما مع دول الجوار الإفريقي.
في هذا السياق، يمكن قراءة التركيز على الموانئ الجزائرية، خاصة ميناء جن جن بجيجل، باعتباره جزءا من تصوّر متكامل يجعل من الجزائر ممرّا تجاريا لا يقتصر على السوق الوطنية، بل يمتد إلى أسواق إفريقية تحتاج إلى بدائل لوجستية آمنة وأقل كلفة، وتشاد تحديدا، بعدد سكان يتجاوز 19 مليون نسمة، وناتج محلي يقارب 20 مليار دولار، تمثل سوقا واعدة، لكنها مقيّدة بمحدودية المنافذ البحرية وبكلفة النقل، ومن هنا يصبح الربط عبر الجزائر خيارا اقتصاديا قابلا للنمو إذا توفّرت آليات المتابعة، وتيسير المبادلات، وتشجيع رجال الأعمال، وتفعيل الاتفاقيات الموقّعة خارج الطابع البروتوكولي المعتاد.
كما أنّ فتح وتعزيز الخط الجوي بين الجزائر ونجامينا يدخل ضمن هذه الرؤية، لأنّ الربط الإفريقي لا يقوم على الطريق والسّكة فحسب، فهو يحتاج إلى حركة رجال الأعمال، الخبراء، الطلبة، الإطارات، والوفود الاقتصادية، وكذلك الشّحن الجوي نفسه، فالجزائر التي تراهن على مجلس الأعمال الجزائري التشادي وعلى المنتدى الاقتصادي، تدرك أنّ الاتفاقيات لا تتحول إلى مشاريع إلا عبر قنوات اتصال مباشرة بين المؤسّسات والمتعاملين، وعندما يشعر المستثمر بأنّ المسار الإداري واللّوجستي والسياسي واضح بما يكفي للانتقال إلى التنفيذ.أمّا في قطاع الطاقة، فتظهر أهمية الزيارة من زاوية أخرى، ذلك أنّ دخول سوناطراك في مجالات تعاون مع دول إفريقية عديدة، من نيجيريا والنيجر إلى تشاد، يعكس تحوّلا في طريقة استثمار الجزائر لخبرتها الطاقوية، فسوناطراك، باعتبارها أكبر شركة طاقة في إفريقيا، لا تتحرّك بمنطق تجاري ضيق، إنما تعتمد منطق نقل الخبرة وبناء الشراكات والتكوين، وهو ما ينسجم مع التصور الجزائري للتعاون الإفريقي-الإفريقي، خاصة أنّ الاتفاقات المتعلقة بالتنقيب والاستكشاف والتكوين، وحتى مشروع التعاون لإنجاز مصفاة، تحمل مؤشّرات على إمكانية بناء تعاون طاقوي أكثر عمقا مع تشاد.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنّ الجزائر لا تفصل بين الأمن والتنمية، فدول الساحل ووسط إفريقيا لا تحتاج إلى تنسيق أمني لمواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، بل تحتاج أيضا إلى اقتصاد قادر على خلق بدائل، وبنى تحتية تقلّل العزلة، ومشاريع تمنح السكان والمؤسسّات أفقا تنمويا واضحا، وعلى هذا، فإنّ نتائج زيارة الرّئيس التشادي تندرج ضمن رؤية جزائرية أوسع، تعتبر أنّ الاستقرار لا يصنع بالمعالجة الأمنية وحدها، فبناء المصالح الاقتصادية المشتركة هو الأهم، بداية من تكوين الموارد البشرية، وفتح الأسواق، وتمكين الدول الإفريقية من الاعتماد على شراكات داخل القارة بدل الارتهان الدائم لمسارات خارجية مكلفة أو مشروطة.
ومن زاوية الجزائر، تؤكّد الزيارة أنّ التحرّك نحو إفريقيا يتجاوز كونه خطابا للاستهلاك، فقد أصبح مرتبطا بمواعيد واتفاقيات ومشاريع ومؤسّسات متابعة، من اللجنة المشتركة إلى مجلس الأعمال، ومن التكوين إلى النقل، ومن الطاقة إلى الموانئ، وهي كلها أدوات تجعل السياسة الإفريقية الجزائرية أكثر ارتباطا بالاقتصاد، وأكثر قدرة على إنتاج أثر فعلي في محيطها الحيوي، كما أنّ الرهان على تشاد ينسجم مع موقعها في وسط إفريقيا ومع حاجتها إلى شراكات جادة في قطاعات حساسة مثل الطاقة، المناجم، الصناعة الصيدلانية، التكوين والصحة.


