تقترب شبيبة سكيكدة من تحقيق إنجاز رياضي بارز، بعد موسم استثنائي تمكّن خلاله النادي من تغيير مساره بشكل جذري، والانتقال من وضعية صعبة على المستويين الإداري والمالي إلى منافسة قوية على ورقة الصعود في رابطة ما بين الجهات (شرق)، في مسار أعاد الأمل إلى مدينة ارتبط اسمها تاريخيا بكرة القدم، وبعث من جديد طموحات أنصارها لاسترجاع مكانة غابت لسنوات عن أحد أعرق أندية الشرق الجزائري.
يجمع متابعون للشأن الكروي المحلي، على أن ما يحققه النادي هذا الموسم لم يكن نتيجة ظرف عابر أو حصيلة آنية، بل هو ثمرة مشروع رياضي متكامل انطلق مع تولي الرئيس فيصل بوسكين مسؤولية تسيير الفريق، حين أعلن آنذاك عزم الإدارة على لعب ورقة الصعود، في تصريح اتسم بالجرأة بالنظر إلى وضعية النادي في تلك الفترة، قبل أن يتحول اليوم إلى واقع ملموس بعد الوفاء بذلك الوعد، حيث بات الفريق على بعد خطوة واحدة من تحقيق هدف الصعود.
ولم تكن بداية المشوار سهلة، إذ وجدت الإدارة الجديدة نفسها أمام إرث ثقيل، تمثل في ضائقة مالية خانقة، وحساب بنكي مجمد، وغياب شبه تام للموارد، إلى جانب تحديات تنظيمية فرضت على المسيرين الشروع من الصفر، في وقت كانت فيه الجماهير تنتظر حلولا عاجلة تعيد الاستقرار إلى بيت الشبيبة، غير أن الهيئة المسيّرة اختارت منذ البداية مقاربة تقوم على العمل الهادئ، وإعادة ترتيب الأولويات، وفرض الانضباط داخل مختلف هياكل النادي، بما يسمح بإطلاق مشروع قابل للحياة والاستمرار.
وعرفت انطلاقة الموسم بعض التذبذب، حيث لم يتمكّن الفريق في بدايته من تحقيق النسق المنتظر، ما أثار تساؤلات حول قدرة التشكيلة على مجاراة سباق الصعود، غير أنّ نقطة التحول الحقيقية جاءت مع قدوم المدرب سمير بوجعران، الذي نجح في وقت وجيز في إعادة التوازن للمجموعة، ومنح الفريق شخصية تكتيكية أوضح، إلى جانب استعادة الروح الجماعية والانضباط التنافسي داخل التشكيلة.
وبدأت ملامح الفريق الطامح تتشكّل تدريجيا مع مرور الجولات، رغم أن شبيبة سكيكدة كانت متأخّرة بفارق 11 نقطة كاملة عن المتصدر آنذاك ترجي قالمة، وهو فارق اعتبره كثيرون كفيلا بإبعاد النادي مبكرا عن حسابات الريادة. غير أن الفريق رفض الاستسلام لمنطق الأرقام، وتعامل مع ما تبقى من الموسم بمنطق النهائيات، ليشرع في سلسلة من النتائج الإيجابية، سمحت له بتقليص الفارق تدريجيا، قبل أن ينتزع الصدارة.
وخلال مرحلة العودة، أبانت التشكيلة السكيكدية عن نضج واضح وشخصية قوية، حيث نجحت في حصد أغلب النقاط الممكنة، وفرضت نفسها داخل القواعد وخارجها، مستفيدة من الاستقرار الفني، وارتفاع منسوب الثقة لدى اللاعبين، إلى جانب الالتفاف الجماهيري الكبير حول النادي، كما أظهرت المجموعة قدرة معتبرة على التعامل مع ضغط المباريات الحاسمة، وهو ما ميّز الفرق الساعية فعليا إلى تحقيق الأهداف الكبرى.
وجاء الانتصار الأخير خارج الديار أمام الملاحق المباشر فريق ترجي قالمة، ليمنح الفريق أفضلية كبيرة في سباق الصعود، بعدما وسّع الفارق عن أقرب المنافسين، وبات بحاجة إلى تأكيد أخير داخل قواعده أمام عين كرشة، في لقاء ينتظر أن يحمل طابع الحسم، وقد يتحول إلى موعد احتفالي يعيد الفرح إلى مدرجات ملعب 20 أوت 1955، وإلى شوارع مدينة عاشت طويلا على وقع الشغف بكرة القدم.
وأكّدت جماهير شبيبة سكيكدة مجدّدا أنّها أحد أهم عناصر قوة النادي، فمنذ انطلاق الموسم، حافظ الأنصار على حضورهم اللافت داخل ملعب 20 أوت 1955 وخارجه، بقيادة مختلف المجموعات المناصرة، وفي مقدمتها «أنصار بلا حدود»، إلى جانب بقية مكونات المدرج السككيدي، التي شكّلت سندا معنويا حقيقيا للفريق في مراحل الشك قبل لحظات الفرح.
ولم يكن هذا الدعم مجرد حضور عددي، بل تجسّد في وفاء متواصل، وتنقلات مع الفريق، وأجواء حماسية منحت اللاعبين دفعة إضافية، خاصة في المباريات المصيرية. وهو ما يؤكّد مرة أخرى أن العلاقة بين الشبيبة وجماهيرها تتجاوز حدود التشجيع التقليدي، لتتحول إلى انتماء ممتد عبر الأجيال.
ومع اقتراب لحظة الحسم، تبدو شبيبة سكيكدة أمام فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في مسارها الرياضي، عنوانها العودة إلى الواجهة واسترجاع المكانة الطبيعية لناد ظل لسنوات جزءا من ذاكرة الكرة الجزائرية.






