ما يحدث نتيجة عكسية لخيار الحسم العسكري
الجزائر تتابع الأوضاع بعقيدة دبلوماسية ثابتة
كشفت التطورات الأخيرة في مالي عن نمط جديد من التهديدات، حيث دخل الوضع مرحلة انكسار توازن حقيقي، يعكس تحوّلا عميقا في طبيعة الصراع، والأزمة التي تضع الجزائر حلّها سياسيا ومن الداخل، ضمن موقفها الثابت الرافض للحل العسكري، حسبما يؤكّد الخبير في الشأن الأمني، الدكتور أحمد ميزاب.
في قراءته للوضع الخطير بـ»مالي»، يرى ميزاب – في تصريح لـ»الشعب» – أنّ البلد دخل مرحلة انكسار توازن حقيقي، يعكس تحوّلا عميقا في طبيعة الصراع، وأشار إلى أنّ تصريح وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، يستند في دلالته الاستراتيجية إلى ثلاث ركائز واضحة تتمثل في الحفاظ على وحدة الدولة، ورفض الإرهاب دون انتقائية، وإعطاء الأولوية للحل السياسي الداخلي.
من الناحية الميدانية، أبرز ميزاب أنّ التطورات الأخيرة تكشف عن نمط جديد من التهديدات، قائم على هجمات منسّقة تجمع بين فاعلين مختلفين، من حركات مسلّحة، إلى تنظيمات إرهابية.
ولا يعكس هذا التقاطع – يقول ميزاب – تحالفا استراتيجيا بقدر ما يمثل تلاقيا ظرفيا للمصالح ضدّ الطغمة الحاكمة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويصعب احتواؤه، لافتا إلى أنّ سقوط «كيدال» يحمل – بدوره – دلالة رمزية وعملياتية، إذ يمثل فقدان نقطة ارتكاز جغرافية كانت تشكّل عمقا سياديا مهما للحكومة المركزية، كما يرى أنّ استهداف قيادات عسكرية يشير إلى اختراقات استخباراتية واضحة، ويعكس ضعفا في تأمين مراكز القرار، وهو ما يفاقم هشاشة البنية الأمنية للدولة.
وأضاف ميزاب بأنّ مالي لم تعد تواجه تمرّدا تقليديا يمكن احتواؤه، فهي تتّجه نحو وضع تتعدّد فيه مراكز القوة المسلّحة، بما ينذر بتحوّلها إلى ساحة مفتوحة لصراعات متداخلة تتجاوز قدرة الطغمة الإنقلابية على الضبط والسيطرة، كما تعكس هذه التطورات جملة من الدلالات الاستراتيجية التي تؤكّد أنّ المقاربة المعتمدة وصلت إلى حدودها القصوى.
ويعتقد ميزاب أنّ أهم الدلالات تتمثل في نهاية فرضية الحسم العسكري، حيث راهنت السلطة في باماكو على خيار القوة لفرض السيطرة، غير أنّ النتيجة جاءت عكسية، مع اتساع رقعة التهديد وتزايد قدرة الجماعات المسلّحة على المبادرة.
في السياق ذاته، يبرز الخبير الفشل الواضح لنماذج الاستعانة بالخارج، سواء عبر شركاء تقليديين أو عبر تحالفات جديدة، إذ لم تفض هذه المقاربات إلى بناء استقرار مؤسّسي، إنما ساهمت في تعقيد المشهد وزيادة اعتمادية الدولة على عوامل خارجية غير مستقرّة، وبالموازاة، عاد الفاعل المحلي المسلّح ليفرض نفسه بقوة في المعادلة.
أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ استمرار العنف – يضيف ميزاب – أدى إلى تآكل تدريجي في «شرعية» قادة الانقلاب، فكلما تصاعدت وتيرة المواجهات، تراجعت ثقة المجتمع في القدرة على ضمان الأمن والاستقرار، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من التفكّك والانقسام.
يرى ميزاب أنّ تداعيات ما يجري في مالي، تتجاوز حدودها الوطنية لتطال مجمل الفضاء الساحلي، حيث تتّجه الخارطة الأمنية نحو إعادة تشكّل تدريجي يفتح المجال أمام توسّع مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، بما يعمّق من هشاشة الإقليم ويزيد من صعوبة ضبطه.
موقف الجزائر ثابت..
بخصوص موقف الجزائر من الأحداث الخطيرة، قال ميزاب إنه يندرج ضمن منطق اتساق استراتيجي واضح، حيث «لا يفهم تصريح عطاف كخطاب دبلوماسي، بل كامتداد لعقيدة دبلوماسية راسخة تشكّلت في ضوء التجربة التاريخية للدولة في مواجهة التهديدات المعقدة».
وأوضح المتحدث أنّ هذا الموقف يقوم أولا على رفض أي مسار قد يقود إلى تقسيم مالي، باعتبار أنّ تفكّك الدولة سيؤدي مباشرة إلى نشوء حزام فوضوي على الحدود، بما يحمل ذلك من مخاطر أمنية ممتدة، كما تؤكّد الجزائر رفضها الصارم للإرهاب دون أي تمييز أو تبرير.
في المقابل، تضع الجزائر الحل السياسي في صلب معالجتها للأزمة، يؤكّد ميزاب، انطلاقا من قناعة مفادها أنّ الأمن لا يمكن أن يتحقّق بالقوة وحدها، بل يستند أساسا إلى شرعية سياسية داخلية، ويوازي ذلك تركيز واضح على ضرورة تقوية اللّحمة الوطنية داخل مالي، باعتبار أنّ الانقسامات الاجتماعية تمثل البيئة الحاضنة الأساسية لاستمرار التمرّد.
في ضوء هذه المعطيات، تتبلور لدى المحلّل الأمني ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة: يتمثل الأول في استمرار الانهيار، حيث تتوسّع سيطرة الجماعات المسلّحة والتنظيمات الإرهابية، ويتكرّس التفكّك الفعلي للحكم الانقلابي، أمّا الثاني فيقوم على احتواء جزئي يفضي إلى تهدئة مؤقتة دون معالجة جوهرية للأسباب العميقة، في حين يبقى السيناريو الثالث مرتبطا بإمكانية عودة المسار السياسي، عبر ضغط إقليمي ودولي يعيد إحياء اتفاق الجزائر، ويفتح المجال أمام تسوية أكثر استدامة.



