الطاقات المتجدّدة والاقتصاد الأخضر.. آفاق واعدة للتعاون التكنولوجـــــــي
انفتـــــاح الســــــوق الجزائـــــريــــــــة أمــــــام الشركات العالميــــــة الكـــــــبرى مثل «إكسون موبيـــــــل» و»شيفرون»
أكّد المحلل السياسي عمار سبيعة، أنّ زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لانداو إلى الجزائر، تعد خطوة إضافية نحو إعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي، خاصة في قطاعات استراتيجية كالمحروقات والمناجم والتجارة والطاقات المتجدّدة.
أوضح سبيعة في تصريح لـ»الشعب» أنّ هذه الديناميكية تعكس توجّها متقدّما لدى الولايات المتحدة الأمريكية، نحو بناء شراكات واقعية مع فاعلين إقليميين قادرين على التأثير، وفي مقدّمتهم الجزائر التي تفرض نفسها كقوة استقرار وصعود في محيطها الإقليمي.
وفي قراءة موسّعة لهذا التحول، أشار سبيعة إلى أنّ العلاقات الدولية اليوم لم تعد تُبنى فقط على الاعتبارات السياسية التقليدية، وأضحت محكومة بمنطق المصالح الاقتصادية وتوازنات الطاقة والأمن الغذائي والموارد الاستراتيجية، ومن هذا المنظور، فإنّ اهتمام واشنطن بالجزائر يعكس إدراكا متزايدا بأنّ شمال إفريقيا فضاء استراتيجي يتقاطع فيه الأمن بالطاقة والتجارة.
وأوضح محدثنا أنّ الجزائر تتعامل مع هذا الانفتاح وفق مقاربة متوازنة، تقوم على تنويع الشراكات دون الارتهان لأي محور، وهو ما يمنحها هامش حركة واسع في سياستها الخارجية، ويعزّز صورتها كدولة ذات قرار مستقل، كما أنّ هذا التوجه يتماشى مع التحوّلات الاقتصادية الداخلية، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على المحروقات وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني. في الشق الاقتصادي، شدّد سبيعة على أنّ قطاع المحروقات يظل حجر الزاوية في العلاقات الجزائرية-الأمريكية، من زاوية الإنتاج والتصدير، وكذا من حيث الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، فالتحوّلات التي تشهدها سوق الطاقة العالمية، خاصة بعد الأزمات الجيوسياسية الأخيرة، جعلت من الجزائر فاعلا مهما في معادلة الاستقرار الطاقوي.
في هذا الإطار، أشار محدثنا إلى أنّ انفتاح السوق الجزائرية أمام الشركات العالمية الكبرى، مثل «إكسون موبيل» و»شيفرون»، يعكس رغبة في بناء شراكات طويلة المدى تقوم على الاستثمار في الاستكشاف والتكرير وتطوير الحقول الجديدة، خاصة في الجنوب الجزائري، حيث تتوفّر إمكانات غير مستغلة بالشكل الكافي.
غير أنّ ما يميّز المرحلة الحالية – بحسب سبيعة – هو انتقال الاهتمام من قطاع الطاقة التقليدية إلى قطاع المناجم، باعتباره أحد محرّكات الاقتصاد المستقبلي. فالجزائر تمتلك ثروات معدنية ضخمة، إلا أنّ استغلالها ظلّ محدودا لسنوات طويلة، ما يجعل من فتح هذا المجال أمام الاستثمار الأجنبي خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وأضاف أنّ قطاع المناجم الواعد في الجزائر، لا يقتصر على الحديد، إذ يشمل الفوسفات والزنك والذهب، وهي معادن تدخل في الصناعات التحويلية والتكنولوجية، ما يجعلها عنصرا أساسيا في أي استراتيجية لتنويع الاقتصاد، وأضاف أنّ تطوير هذا القطاع سيمنح الجزائر قدرة أكبر على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، بدل البقاء في موقع مصدر الخام فقط.
أشار سبيعة إلى أنّ الطاقات المتجدّدة تمثل اليوم، أحد أهم مجالات التقاطع بين الجزائر والولايات المتحدة، في ظلّ التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر؛ فالجزائر، بما تملك من إمكانات شمسية هائلة، مرشّحة لأن تكون فاعلا رئيسيا في سوق الطاقة النظيفة.
وتوقف محدثنا عند البعد التجاري، معتبرا أنّ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وواشنطن ما تزال دون المستوى مقارنة بالإمكانات المتاحة، ما يجعل هذه الزيارة فرصة لإعادة ضبط التوازن التجاري، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الجزائرية، خاصة خارج قطاع المحروقات، في مقابل توسيع حضور الشركات الأمريكية في مجالات الصناعة والخدمات. وفي البعد الجيوسياسي، أوضح المحلّل أنّ واشنطن تنظر إلى الجزائر كفاعل إقليمي قادر على لعب دور «الوسيط المتوازن»، نظرا لعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعلها عنصرا مهما في مقاربة الاستقرار الإقليمي، خاصة في الفضاء الإفريقي الذي يشهد تحوّلات أمنية واقتصادية معقّدة.


