تعد شركة «ديب مايند» (DeepMind) النواة الصلبة التي أعادت تشكيل خارطة الذكاء الاصطناعي العالمي، حيث تحول خريجو هذه الشركة البريطانية إلى ما يشبه «المافيا» التقنية التي تهيمن اليوم على مفاصل الابتكار في كبريات الشركات العالمية والشركات الناشئة الأكثر تميّزا، ورغم التأخر الأوروبي العام أمام الولايات المتحدة والصين، إلا أن هذه الشركة التي ولدت في لندن عام 2010 منحت القارة العجوز ثقلا إستراتيجيا، خاصة بعد أن أصبحت مصنعا للعقول التي تشغل اليوم مناصب مفصلية في شركات «جافام» (Gafam).
يتصدر الثلاثي ديميس هاسابيس، ومصطفى سليمان، وشين ليج قائمة هذه العقول الفذة التي وضعت حجر الأساس لشركة «ديب مايند» في العاصمة البريطانية عام 2010، ومنذ تلك البداية، نجحت الشركة في لفت الأنظار سريعا من خلال تطوير نماذج ثورية غيرت قواعد اللعبة، مثل «AlphaGo» و»AlphaFold» و»AlphaGenome»، وهي النجاحات التي جعلت شركة «غوغل» تسرع للاستحواذ عليها في عام 2014 مقابل مبلغ قُدر بـ650 مليون دولار، وهو رقم صار ينظر إليه اليوم بعين الندم لكونه «زهيدا» مقارنة بالقيمة الإستراتيجية الهائلة التي أضافتها الشركة لعملاق التكنولوجيا الأمريكي.
ومع مرور الوقت، تفرقت هذه الرؤى القيادية لتهيمن على مفاصل الصناعة لدى عمالقة التكنولوجيا؛ حيث يتربع ديميس هاسابيس اليوم على عرش الذكاء الاصطناعي في «غوغل» بوصفه المسؤول الأول عن هذا القطاع، بالإضافة إلى تأسيسه لشركة «Isomorphic Labs» المتخصصة في اكتشاف الأدوية، والتي نال بفضل جهودها العلمية جائزة نوبل في الكيمياء.
في المقابل، انتقل شريكه شين ليج ليتولى مهمة تطوير «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI) داخل أروقة «غوغل» أيضا، بينما اختار مصطفى سليمان مسارا مغايرا بتأسيسه لشركة «Inflection AI» قبل أن تستقطبه «مايكروسوفت» بصفقة ضخمة ليتولى قيادة دفة تطويرات الذكاء الاصطناعي لديها.
وفي فرنسا، يبرز أرثر مينش كبطل قومي في قطاع التقنية بعد تأسيسه لشركة «Mistral AI» عام 2023، فبعد مساره الأكاديمي والمهني الذي قضى جزءا منه كباحث في فرع «ديب مايند» بباريس، أدرك مينش ضرورة ظهور لاعب أوروبي قوي تزامنا مع إطلاق «ChatGPT»، واليوم، تدر الشركة عوائد تتجاوز 400 مليون يورو وتُقدر قيمتها بنحو 11.7 مليار يورو، ما يجسد طموح «الفرنش تك» في بناء بديل قاري منافس.
وبالتوازي مع هذا الصعود، تبرز في باريس أيضا شركة «H Company» التي تضم بين صفوفها لوران سيفر، العضو الناجي من الفريق المؤسس والباحث السابق في «ديب مايند»، حيث تركز الشركة على تطوير «عملاء» ذكاء اصطناعي مدمجين في الأدوات الداخلية للمؤسسات الكبرى.
ويمتد نفوذ خريجي هذه المدرسة البريطانية ليشمل قطاعات تخصصية دقيقة؛ ففي عالم القانون، يقود غاب بيريرا شركة «Harvey» التي تطور مساعدا ذكيا للمحامين قادرا على تحليل القضايا المعقدة، وبلغت قيمتها مؤخرا مليارات الدولارات، أما في مجال الروبوتات، فيبرز كارول هاوسمان الذي صقل مهاراته في «غوغل براين» و»ديب مايند»، ليقود شركة «Physical Intelligence» بهدف بناء «دماغ ذكي» يمنح الآلات مرونة وكفاءة عالية، وهو مشروع استقطب استثمارات ضخمة من شخصيات مثل جيف بيزوس.
يتجلى الالتزام بالنماذج المفتوحة عبر ميشا لاسكين وإيوانيس أنتونوجلو، اللذين أسسا «Reflection AI» في نيويورك كبديل مفتوح المصدر ينافس عمالقة الصناعة مثل «OpenAI» و»Anthropic».
لا ينحصر نفوذ خريجي «ديب مايند» في أروقة الشركات الكبرى العابرة للقارات فحسب، لأنه امتد ليشكل العصب الحيوي لأكثر الشركات الناشئة طموحا في العالم، وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في مسار العالم البريطاني ديفيد سيلفر الذي غادر أروقة «غوغل ديب مايند» ليتحول اليوم إلى الأمل الجديد لقطاع التكنولوجيا في بريطانيا، فبعد أن كان سيلفر أحد الركائز الأولى والموظفين الأوائل في الشركة الأم، نجح في نقل خبرته العميقة إلى مشروعه الخاص، ليؤكد أن مدرسة «ديب مايند» قادرة على تفريخ قيادات تقنية تعيد رسم ملامح السوق العالمية.
ولقد نجح سيلفر في إحداث هزة في الأوساط المالية والتقنية بتحطيم الأرقام القياسية في صفقات التمويل؛ حيث تمكن من جمع مبلغ ضخم قدره 1.1 مليار دولار لشركته الناشئة «Ineffable Intelligence» في جولة تمويل أولية، وتعد هذه القيمة التمويلية إنجازا غير مسبوق في تاريخ الشركات الناشئة الأوروبية، ما جعل قيمة الشركة السوقية تقفز إلى 5.1 مليار دولار في وقت وجيز جدا، وجاء هذا الإقبال منقطع النظير من كبار المستثمرين مثل «Sequoia» و»Lightspeed» نتيجة السمعة المرموقة التي يتمتع بها سيلفر، والرهان العالمي على قدرته في قيادة الموجة القادمة من الابتكار.
ويستند سيلفر في مشروعه الجديد إلى رؤية علمية فلسفية عميقة، كان قد صاغها في مقال علمي أثار ضجة واسعة في الأوساط التقنية العام الماضي، تتلخص هذه الرؤية في تنبؤه بأن القفزة الكبرى القادمة في عالم الذكاء الاصطناعي لن تأتي من مجرد معالجة البيانات الضخمة، إنما ستولد من رحم أنظمة ذكية تمتلك القدرة على التعلم الذاتي بشكل أساسي من خلال التجربة والخبرة المباشرة في بيئاتها، وهذا يمثل التوجه نحو «الذكاء القائم على التجربة»، وهو ما يراه سيلفر المفتاح الحقيقي لتجاوز العقبات الحالية والوصول إلى مستويات متقدمة من الذكاء الاصطناعي تحاكي قدرات البشر في التفاعل مع الواقع.






