استرجــــــاع الأمــــــوال المنهوبــــة فعـــــل سيـــــادي وانتصـــــار للدولــــة الجزائريـــــة ^ إعــادة الإدمــاج الاقتصـــــادي للأصـــــول المسترجعـــــة.. حوكمــــــة رشيـــدة
سجّل أستاذ القانون الدولي، الدكتور مهدي العايدي، أنّ تعليمات رئيس الجمهورية أوامره بمواصلة مكافحة الفساد بلا هوادة، واسترجاع الأموال المنهوبة لصالح الاقتصاد الوطني، شكّل نموذجا جزائريا متميّزا في استرداد الأموال المنهوبة، وأثبت أنّ مكافحة الفساد معركة وجودية لاستعادة السّيادة الاقتصادية. ومن خلال دمج الأصول المسترجعة في الدورة الإنتاجية، تقدّم الجزائر درسا في كيفية تحويل «عائدات الجريمة» إلى «أدوات تنمية»، مؤكّدة التزامها بـ «اقتصاد حقوق الإنسان» الذي يصون كرامة الشّعب ويحمي ثرواته للأجيال القادمة.
أوضح الدكتور مهدي العايدي، في اتصال مع «الشعب» أمس، أنّ ما تحقّق في باتنة وتيسمسيلت، من استرجاع ومصادرة الأموال المنهوبة، هو مجرّد بداية لمسار «تأميم قضائي» سيطال كل الأصول العالقة، معتبرا أنّ الجزائر اليوم لا تطلب «هبة» من أحد، بل تمارس حقّها المشروع وفق القانون الدولي والعدالة التنموية، لتثبت أن مكافحة الفساد فعل سيادي يبني الاقتصاد ويصون كرامة الشعب.
وأضاف المختص القانوني، أنه وفق منظور اقتصاد حقوق الإنسان اليوم تصُنف التدفّقات المالية غير المشروعة كأحد أخطر العوائق الهيكلية، التي تقوّض قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، تخوض الدولة الجزائرية معركة سيادية وقانونية لاسترجاع الأصول المنهوبة، متجاوزة المقاربات التقليدية نحو صياغة «عقيدة مؤسّسية» تدمج بين الرّدع القضائي، وإعادة الحقن التنموي، بما يتماشى مع الهدف 16/ 4 من أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.
نمـــــــــــــــــــــــــوذج جزائـــــــــــــــــــري
قال المختص القانوي إنّ «النموذج الجزائري» اليوم يبعث برسالة مزدوجة؛ فهو يطمئن الجبهة الداخلية بأنّ الإرادة السياسية الصادقة قادرة على استعادة كل «سنتيم» منهوب وإعادة توظيفه لصالح المواطن، ومن جهة أخرى يوجّه إنذارا قانونيا لفرض حقوقها السيادية على للمجتمع الدولي بأنها تملك الكفاءة، الآليات، والنصوص مثل اتفاقية UNCAC، كما أنّ الاستراتيجية الجزائرية في استرداد الأصول وإعمال «الحق في التنمية» تستند إلى مبدأ أنّ الفساد «معطّل بنيوي» يحرم الدولة من «أقصى قدر من الموارد المتاحة» الضرورية للإعمال التدريجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
واعتبر الدكتور العايدي أنّ النجاح في استرجاع أصول فاقت قيمتها 30 مليار دولار يمثل انتصارا لمفهوم «اقتصاد حقوق الإنسان» الذي يضع كرامة المواطن في قلب السياسات الاقتصادية، ومن خلال تحويل الأصول المصادرة إلى القطاع العمومي التجاري، جسّدت الجزائر «المبادئ الموصى بها» للأمم المتحدة بشأن الاستخدام المسؤول للأصول المسترجعة لتعزيز التنمية المستدامة.
وأبرز العايدي أنّ التميّز الجزائري يتّضح في آليات «إعادة الإدماج الاقتصادي» للأصول المسترجعة، في تحويل مصادرة الأموال المنهوبة من مصادرة جامدة إلى حيوية في خدمة الإنتاج الوطني، وهو ما يشكّل ردّا عمليا على عقود من استنزاف المقدّرات، وفي السّياق، أشار إلى تحويل قطب باتنة الصناعي «جرمة» لإنتاج هياكل المركبات، إلى أصل مسترجع بحكم نهائي باستثمار قدره 6 مليارات دينار، ما سمح بتوطين التكنولوجيا وخلق 150 منصب عمل مباشر، إضافة إلى مشروعات تيسمسيلت عبر إعادة بعث وحدات تركيب غرف التبريد للشاحنات، وهو ما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليص التبعية للاستيراد.
وأوضح محدثنا أنّ هذه الخطوات تتماشى مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (A/RES/80/126)، الذي يحثّ الدول على تعزيز الممارسات الفضلى في إعادة الأصول لدعم التنمية المستدامة.
حوكمــــــــــة رشيـــــــــدة
هذه الإجراءات العملية، رافقتها ترسانة مؤسّسة ومعايير الحوكمة الرّشيدة، حيث أوضح أستاذ القانون الدولي أنّ هذا المسار لم يكن ليتحقّق دون بيئة مؤسّسية تتوافق مع مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة، ومنها السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، كجهاز دستوري مستقل يضع الاستراتيجيات الوطنية لأخلقة الحياة العامة، ونجد أيضا الديوان المركزي لقمع الفساد، الذي يعمل كذراع عملياتية متخصّصة في تتبّع المالك وتفكيك الشبكات العابرة للحدود، دون أن ننسى «الرّقمنة الوقائية» عبر إطلاق منصّات مثل «نراكم» و»بلغنا» لتعزيز الرّقابة الشعبية وحماية المبلّغين، استجابة للمادة 33 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
إقــــــرار المسؤوليــــــــــــة الدوليــــــــة
في الوقت الذي تحقّق فيه الجزائر نجاحات باهرة في ملفات دولية، مثل استرجاع 110 ملايين دولار من سويسرا بعد 33 إنابة قضائية، يصطدم المسار الدولي بتعنّت بعض القوى – يقول محدثنا ويواصل – وهنا تبرز السيادة القانونية الجزائرية في التمسّك بالمادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تنص على أنه «لا يجوز لطرف في معاهدة أن يتذرّع بنصوص قانونه الداخلي كتبرير لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة».
وعليه فإنّ مطالبة الجزائر لفرنسا بتنفيذ 61 إنابة قضائية عالقة، هو ممارسة لحق سيادي أصيل يرفض أن تكون الدول «ملاذات آمنة» لعائدات الجريمة. وفي السياق، اعتبر الدكتور العايدي أنّ استرداد الأموال مسألة سيادية، وليست العبرة بحجم الأموال المسترجعة، لكن في قدرة الدولة على فرض سيادتها وإرادتها، وفرض القانون على الدول التي استودعت فيها الأموال المنهوبة، وعليه فإنّ ما حقّقته الجزائر يعتبر انتصارا لها ولسيادتها وسيادة القانون.
الحــــــــــــق فــــــــــي التنميــــــــــة ضــــــــــدّ الفســـــــــــاد
من جانب اقتصادي، قال أستاذ القانون الدولي إنه لا يمكن فصل موضوع الفساد عن موضوع التنمية، على اعتبار أنّ مكافحة الفساد هي معركة لحقوق الإنسان من المنظور الأممي، وعليه أكّد المختص أنّ معركة الجزائر تتماشى مع أرقى المواثيق الحقوقية الدولية الوثيقة A/HRC/42/19 تعتبر التدفّقات المالية غير المشروعة عدوانا مباشرا على حقوق الإنسان، كونها تحرم الشعوب من الموارد اللازمة للوفاء بالالتزامات الاجتماعية في الصحة والتعليم. في حين يكرّس القرار الأممي Res/80/126، «استرداد الأصول» كحق أصيل للدول المتضرّرة، ويحث الدول الحاضنة للأموال على تقديم المساعدة القانونية دون إبطاء.
وبالمحصلة، قال أستاذ القانون الدولي، إنّ إعادة ضخّ الأموال في ولايتي باتنة وتيسمسيلت هو تطبيق حرفي للحق في التنمية، حيث تسُتغل الأصول المستردّة في تمويل التنمية المستدامة وتقليص الفوارق الاقتصادية، حيث تؤكّد أنّ التدفقات المالية غير المشروعة تمثل عدوانا مباشرا على حقوق الإنسان، بناءً على مقتضيات الوثائق الأممية لحقوق الإنسان كونها تستنزف الإيرادات الضريبية وتضعّف الحيّز المالي للدولة. وعليه فإنّ استعادة هذه الأموال هي فعل سيادي يهدف إلى تضييق فجوة عدم المساواة وضمان الحق في الصحة والتعليم والسكن اللائق.




