@أولوية الوقاية وتحسين التكفّل في استراتيجية مكافحة السرطان@ التحكّم في سلسلة إنتاج أدوية السرطان.. رهان الجزائر
تمّ التأكيد في مخرجات مجلس الوزراء، أنّ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان الممتدة إلى غاية 2035، هي خطة دولة تهدف إلى تعزيز الوقاية والتشخيص المبكّر وتحسين التكفّل بالعلاج، خاصة وأنّ ما بين 40 و50 بالمائة من الحالات يمكن تفاديها عبر الوقاية، كما تقوم هذه الاستراتيجية على توسيع مراكز العلاج وتحسين توزيعها، لاسيما في المناطق الداخلية، مع التأكيد على أنّ نجاحها يرتبط بتوفير التجهيزات اللازمة والموارد البشرية المؤهّلة، إضافة إلى تسيير فعّال يضمن نجاعة المنظومة الصحية.في هذا الصدد، قال المختص في القطاع الصحي، بدر الدين كليبي لـ»الشعب»، إنّ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من مرض السرطان ومكافحته، الممتدة إلى آفاق 2035، تحوّلت إلى مشروع دولة بامتياز، يعكس إرادة سياسية لإعادة هندسة المنظومة الصحية وفق مقاربة استباقية، شاملة وعادلة.
وأوضح المتحدث أنّ مخرجات مجلس الوزراء جاء فيها إقرار ضمني بأنّ السرطان معركة سياسات عمومية، ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية وعليه، فإنّ توجيهات رئيس الجمهورية التي شدّدت على تحسين التكفّل بالمصابين، وتوسيع قدرات التشخيص المبكّر، تعكس انتقالا نوعيا من منطق «العلاج بعد الإصابة» إلى منطق «الوقاية الاستباقية» وهو تحول استراتيجي طال انتظاره.
وأفاد محدثنا أنّ الإشادة التي وجّهت لأسرة القطاع الصحي، خاصة في تعاملها السريع والفعّال مع حادث سير حافلة تونس، تحمل دلالة مزدوجة فهي من جهة تثمين للجهود الميدانية، ومن جهة أخرى رسالة سياسية تؤكّد أنّ العنصر البشري سيبقى حجر الزاوية في أي إصلاح صحي، وقال كليبي إنه يضع مسؤولية ثقيلة على السلطات لضمان استقرار المهنيين وتحسين ظروف عملهم، لأنّ أي استراتيجية – مهما بلغت دقتها – تبقى رهينة بمدى جاهزية الموارد البشرية.
أمّا بخصوص الاستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان في بعدها الزمني (2035)، فهي تعكس وعيا بأنّ ملف السرطان يتطلّب نفسا طويلا واستمرارية في العمل بعيدا عن الحلول الظرفية، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد الأهداف بقدر ما يكمن في آليات التنفيذ والمتابعة.
وتابع المتحدث: «هنا تبرز ضرورة اعتماد حوكمة صحية حديثة تقوم على الشفافية، تقييم الأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إشراك فعلي للنقابات والخبراء والمجتمع المدني، بدل الاكتفاء بالمقاربات الفوقية والمقاربات السطحية».
من جانب آخر، يمثل توسيع البنية التحتية لمراكز مكافحة السرطان وتحسين توزيعها الجغرافي، خطوة محورية نحو تحقيق العدالة الصحية، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية التي عانت من نقص في الخدمات المتخصّصة، كما أنّ تعزيز التجهيزات الطبية وتدعيم الموارد البشرية المتخصّصة داخل هذه المراكز من شأنه أن يرفع من جودة التكفل بالمرضى ويقلّص من آجال التشخيص والعلاج.
وقال كليبي إنّ تجربة علاج مرضى السرطان تُظهر أنّ الإشكال لا يكمن فقط في الهياكل، بل في مدى جاهزيتها من حيث التجهيزات والصيانة والتأطير البشري، وهو ما يستدعي مقاربة متكاملة تضمن الاستدامة وليس مجرّد الإنجاز الظرفي، وأضاف أنّ تحسين التكفّل بمرضى السرطان يمرّ أيضا عبر تعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل الصحية، وضمان تكوين مستمر للإطارات الطبية وشبه الطبية.
كما يمكن الإشارة إلى هذه الاستراتيجية من المنظور الاقتصادي، حيث لا يمكن فصلها عن الرّهانات الكبرى لتقليص فاتورة العلاج بالخارج وتوطين الصناعة الصيدلانية، خاصة في مجال الأدوية المضادة للسرطان، فالحديث عن السيادة الصحية يمرّ عبر التحكّم في سلسلة الإنتاج الدوائي، وتشجيع البحث العلمي، وبناء شراكات ذكية قائمة على نقل التكنولوجيا، وليس فقط الاستيراد.
ويرى محدثنا أنّ نجاح هذه الاستراتيجية يقاس بمدى قدرتها على تحقيق ثلاثة تحوّلات أساسية.. خفض نسب الإصابة عبر سياسات وقائية حقيقية تشمل التغذية، البيئة، وأنماط الحياة، تقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج بين مختلف مناطق الوطن، واستعادة ثقة المواطن في المنظومة الصحية، وهي مسألة ذات أهمية كبيرة.
وأكّد محدثنا أنّ المعركة ضدّ السرطان ليست فقط معركة أطباء، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ضمان العلاج لمواطنيها، كما شدّد على أنّ كسب هذا التحدي يمرّ حتما عبر تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين، وتبنّي رؤية استراتيجية مستدامة تضع المريض في صلب الأولويات.




