تخفيــض قيمــة الفواتــير يكبّــد الخزينـــة خسائــر فادحــة.. والــرّدع هــو الحــل ^ تشديــد الرقابــة علــى التحويلات البنكيـة ومطابقتها مع الوثائق التجارية
ربط الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، بين تحوّل أنماط الغش التجاري، والتداعيات الهيكلية لظاهرة «تقليل قيمة الفاتورة» على التوازنات المالية والنقدية للدولة، مؤكّدا أنّ هذه الممارسة أصبحت – بسبب بعض المتحايلين – آلية منهجية تستنزف موارد الخزينة العمومية، وتؤثر على مؤشّرات سعر الصرف، وتحول جزءا كبيرا من عائدات المبادلات التجارية إلى قنوات موازية خارج الرقابة الرسمية.
قال بريش إنّ الغش التجاري شكّل تحديا حقيقيا يعيق نمو المنظومات الاقتصادية، وفي الجزائر تحوّلت ظاهرة تقليل قيمة الفاتورة (Sous-facturation)، إلى أسلوب للتحايل والغش، وكان رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، قد حذّر من تحول أساليب التهرّب من تضخيم الفواتير إلى عكسها.
وقدّم الخبير الاقتصادي البروفيسور عبد القادر بريش، قراءة شاملة لأبعاد هذه الممارسة، مبيّنا كيف تتحول ورقة تجارية واحدة إلى أداة تحدث نزيفا في الموارد المالية، وتؤثر على احتياطي الصرف، ليؤكّد أنّ التصدي للظاهرة أصبح شرطا حيويا للحفاظ على التوازن الاقتصادي الوطني، والحيلولة دون استنزاف الموارد المالية واحتياطي الصرف.
مبدأ العدالة الجبائية
وفقا لقراءة البروفيسور بريش، تقوم الفكرة الأساسية للظاهرة على التصريح بقيمة أدنى من السعر الحقيقي للسلعة المستوردة، ما يهزّ مباشرة أساس الوعاء الضريبي الذي تعتمد عليه الجمارك، ويوضّح الخبير أنّ كل دولار يخفى عن السجل الرسمي، يعني خصما مضاعفا من الحقوق الجمركية وضريبة القيمة المضافة والرسوم الشبه جبائية. وكتوضيح منهجي، يورد بريش مثالا بشحنة تقدّر قيمتها الحقيقية بمائة ألف دولار، يُصرّح عنها بثلاثين ألفا فقط، تنتج عنها خسارة فورية تتجاوز ثمانية وعشرين ألف دولار من الإيرادات الجبائية عند تطبيق معدل رسوم بنسبة أربعين بالمائة.
ويحذّر بريش من أنّ هذا الهدر لا يؤثر على موارد ميزانية الدولة وحدها، إنما يخل بمبدأ العدالة الجبائية ويمنح المتحايلين ميزة تنافسية غير مشروعة على حساب المتعاملين الملتزمين، ما يشوّه قواعد السوق ويقوّض روح المنافسة الشريفة.
ويرى الخبير أنّ الأثر لا يتوقف عند الحدود الجبائية، فهو يمتد إلى صميم التوازنات النقدية، ويوضّح أنّ المستورد، رغم تصريحه بقيمة مخفّضة، ملزم فعليا بدفع الثمن الكامل للمورّد الأجنبي، ما يدفعه – بالضرورة – إلى سدّ الفارق عبر السوق الموازية للصرف، وينتج عن ذلك – في تقدير بريش – طلب متزايد على العملة الصعبة خارج القنوات الرسمية، وتوسيع مستمر للفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق غير الرسمية، قبل أن يتحول عبء هذا الفرق إلى كلفة السلع، ثمّ إلى أسعار البيع النهائي، وبهذا، يبين الخبير كيف تتشكّل حلقة اقتصادية مفرغة تغذي الضغوط التضخمية وتؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، حيث يتحول التهرّب الجمركي إلى محرّك خفي لارتفاع الأسعار محليا، ما يجعل معالجة الخلل النقدي صعبة بمعزل عن مكافحة الغشّ التجاري.
تعزيز أنظمة التقييم الجمركي
على صعيد الصادرات، لفت البروفيسور بريش إلى أنّ الظاهرة تتخذ شكلا معاكسا، لكنه بالقدر نفسه من الخطورة، حيث يصرّح المصدر بقيمة أقل من العائد الحقيقي لمنتجاته بهدف إبقاء جزء من العملة الصعبة خارج البلاد، فشحنة التصدير المقدّرة بمليون دولار – على سبيل المقال – ولا يتم التصريح بشأنها إلا بستمائة ألف دولار، تعني مباشرة أنّ الجهاز البنكي الوطني يستقبل ثلاثة أخماس القيمة فقط، بينما يحتجز الباقي خارج الدورة الاقتصادية الرّسمية. ما ينتهي إلى استنزاف احتياطي الصرف، وتغذية آليات الاقتصاد الموازي، بشكل غير مباشر، إضافة إلى تحويل رؤوس الأموال إلى الخارج، ممّا يؤثر على الموارد النقدية الوطنية.
لمواجهة هذا التحدي، يقترح البروفيسور بريش مقاربة متكاملة تعيد بناء الثقة في آليات الرقابة والتداول المالي، من خلال تعزيز أنظمة التقييم الجمركي عبر قواعد بيانات مرجعية للأسعار العالمية يتم تحديثها دوريا، إلى جانب رقمنة شاملة تربط مصالح الجمارك والضرائب والبنوك وتجارة الخارجية بمنصات موحّدة تتيح التتبع في الزمن الحقيقي.
وشدّد بريش على مراقبة التحويلات البنكية ومطابقتها مع الوثائق التجارية، وتفعيل التعاون الدولي لتبادل المعلومات مع الإدارات الجمركية الأجنبية، بالإضافة إلى إصلاح سوق الصرف لتقليص الفجوة بين السعرين الرّسمي والموازي، وسحب الحافز غير المشروع من المتحايلين.
بالموازاة مع ذلك، يوصي بريش برفع مستوى الرّدع عبر عقوبات صارمة، وتعزيز الرقابة البعدية على الملفات عالية المخاطر، مع خلق حوافز حقيقية تشجّع الامتثال الطوعي وتمنح المتعاملين الملتزمين ميزات تنافسية واضحة. ويختم بالتأكيد على أنّ ظاهرة تقليل الفواتير اختبار حقيقي لمتانة البنية الرقابية، وأنّ دمج التقنية الصارمة بالشفافية المؤسّسية والتعاون الدولي هو السبيل الوحيد لتحويل هذه الحلقة إلى دورة اقتصادية سلسة تحمي الثروة الوطنية من التآكل الخفي، وتؤسّس لبيئة أعمال قوامها النزاهة والكفاءة.


