استفــــــــزازات القنصــــــــل “دوفـــــــــــــال” فجّـــــــــــــــرت الموقــــــــــــــــف داخـــــــــــل قصـــــــــــــر الحكــــــــــم
المستحقّـــــــات الجزائريـــــــة لـــــــدى فرنســـــــا.. حقيقـــــــة مغيّبـــــــة خلـــــــف “أسطـــــــورة المروحـة”
نظّمت الجمعية الثقافية “الجاحظية” ندوة تاريخية خصّصت لاستذكار حادثة المروحة (29 أفريل 1827)، وذلك في إطار مساعيها لإعادة قراءة المحطات المفصلية في تاريخ الجزائر برؤية تحليلية، وقد نشّط اللقاء الصحفي والإعلامي عبد القادر جمعة، بحضور نخبة من الباحثين والمؤرخين، إلى جانب عدد من المهتمين بالشأن التاريخي.
قدّم عبد القادر جمعة في مستهل مداخلته، قراءة سياقية أبرز من خلالها أن الحادثة لم تكن معزولة عن محيطها التاريخي، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية تعود إلى ما بعد الثورة الفرنسية سنة 1789، حيث انعكست الاضطرابات الداخلية في فرنسا على سياستها الخارجية، خاصة في علاقتها بالجزائر.
كما تطرّق جمعة إلى ملف الديون الذي ظل أحد أبرز أسباب التوتر، إذ كانت فرنسا مدينة للجزائر بمبالغ معتبرة مقابل إمدادات من القمح خلال حروبها، غير أن هذه المستحقات بقيت عالقة في ظل مماطلة فرنسية ومحاولات لتخفيض قيمتها بشكل أحادي، ما عمّق الخلاف بين الطرفين.
واستعاد المحاضر تفاصيل حادثة المروحة التي وقعت داخل قصر الحكم بأعالي القصبة، خلال لقاء رسمي جمع الداي حسين بالقنصل الفرنسي بيار دوفال، حيث تصاعد الخلاف بسبب تجاهل القنصل لمطالب الجزائر، وردوده التي وصفت بالمستفزّة.
وأمام هذا الوضع، وجّه الداي حسين ضربة بمروحة تقليدية إلى القنصل، في تصرف حمل دلالات رمزية قوية وفق الأعراف الدبلوماسية آنذاك، ليصبح هذا الحدث، رغم بساطته الظاهرية، نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات بين البلدين.
وتناولت الندوة الكيفية التي جرى بها توظيف هذه الحادثة، حيث لم تتعامل فرنسا معها كحادث بروتوكولي عابر، بل حوّلتها إلى ذريعة لتصعيد سياسي وعسكري، وفي هذا الإطار، تمّ التذكير بأن النظام الملكي الفرنسي بقيادة شارل العاشر كان يواجه أزمة داخلية، ما جعله يبحث عن إنجاز خارجي يعيد له الهيبة، فكان الحصار البحري على الجزائر الذي دام نحو ثلاث سنوات، قبل أن يتطور إلى غزو عسكري سنة 1830، أدى إلى سقوط الجزائر وبداية حقبة استعمارية استمرت لأكثر من 130 سنة.
وركّزت النقاشات التي أعقبت المداخلة على أن حادثة المروحة لا يمكن اختزالها في بعدها الدبلوماسي فقط، بل ينبغي فهمها ضمن شبكة معقدة من العوامل، من بينها الأزمة المالية، والتحولات الجيوسياسية، إضافة إلى تراجع القدرات البحرية الجزائرية بعد معركة نافارين، وهو ما جعل البلاد أكثر عرضة للضغوط الخارجية، كما طرح تصورا يعتبر أن الحادثة مثلت فرصة استغلتها فرنسا لتبرير مشروع توسعي كان قائما في الأصل.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أنّ حادثة المروحة تظل من أبرز الأحداث التي مهّدت لاحتلال الجزائر، لما تكشفه من تداخل بين العوامل السياسية والاقتصادية في صناعة التحولات الكبرى. كما دعا المشاركون إلى تكثيف مثل هذه اللقاءات العلمية التي تسهم في ترسيخ الوعي التاريخي وتعميق فهم الأجيال لماضيها الوطني، بعيدا عن القراءات السطحية أو الاختزالية.




