التعاون جنوب – جنوب.. التزام الجزائر بدورها كشريك تنموي في قلب إفريقيا
الاتفاقيات مع النيجر وتشاد جزء أساسي من الرؤية الاستراتيجية للتكامل
تضمّنت تعليمات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، للجهاز التنفيذي خلال ترؤّس مجلس الوزراء، الأحد، العمل على متابعة تنفيذ اتفاقيات التعاون التي تمّ توقيعها مع دولتي النيجر وتشاد، خلال زيارة الدولة التي قام بها قادة الدولتين إلى الجزائر شهر أفريل المنصرم، مع الحرص على تنويع مجالات هذا التعاون ليشمل القطاعات ذات الأولوية، ما يحقّق المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة بين الجزائر وكل من النيجر وتشاد.
أوضح الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، في اتصال مع «الشعب»، أنّ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر ودولتي النيجر وتشاد، برزت في الآونة الأخيرة كواحدة من أهم محاور السياسة الخارجية الجزائرية في منطقة الساحل، من خلال سلسلة من الاتفاقيات والمشاريع التي تستهدف تحقيق تنمية مشتركة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين الشقيقين. وأشار إلى أنّ السلطات الجزائرية، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، تؤكّد على أهمية هذه الشراكات عبر توجيهات مباشرة لتسريع تنفيذ اتفاقيات التعاون بما يدعم مصالح الشعوب ويعزّز التنمية في المنطقة.
رؤى اقتصادية مشتركة
على صعيد النيجر، أفاد هباش أنّ الاتفاقيات المبرمة شملت مجالات متعدّدة ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية واضحة، مع تركيز خاص على تطوير مشاريع إنتاج الطاقة والبنية التحتية المشتركة، وهو ما يعكس رغبة الجزائر في دعم توفير الطاقة وتحسين شبكة الربط الاقتصادي بين البلدين.
وشملت التوجيهات الرّئاسية ضرورة الانتهاء من مشروع محطة لإنتاج الطاقة في غضون ثلاثة أشهر، ما يؤشّر إلى أولوية هذا القطاع في شراكات البلدين، كما تمّ الاتفاق على تنويع مجالات التعاون لتشمل أنشطة مثل التنقيب والاستغلال النفطي، ما يفتح آفاقا جديدة في الاستثمار وإنتاج الطاقة على طول الحدود المشتركة.وأضاف هباش أنّ أهمية هذه الاتفاقيات في تنوّع مجالاتها، إذ تسعى الجزائر والنيجر إلى التأسيس لشراكة تخرج عن نطاق المشاريع التقليدية، لتشمل الخطط التنموية والاستثمارات المشتركة في القطاعات، التي تخدم التنمية الشاملة وتدعم الأمن الاقتصادي.
تركيز على الاستثمار الناجع
أمّا العلاقات مع تشاد، فقد اعتبرها هباش نموذجا آخر من الشراكات متعدّدة الأبعاد، حيث تمتد الاتفاقيات إلى مجالات الطاقة، البنية التحتية، والصناعات التحويلية. وتشير المتابعات إلى أكثر من ثلاثين اتفاقية موقّعة بين البلدين الشقيقين، وهو رقم يعكس الرغبة في تعزيز التعاون الاقتصادي.
في هذا الصدد، أشار هباش إلى زيارة المسؤولين واللقاءات الوزارية المتبادلة بين الجزائر وتشاد، والتي اعتبرها جزءا لا يتجزّأ من هذا المسار التعاوني، وأبرز أنّ الاتفاقيات المبرمة تمثل نموذجا حيّا للتعاون «جنوب – جنوب»، الذي تسعى الجزائر إلى ترسيخه في منطقة الساحل، ربطا بالتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها هذه الدول، فضلا عن كونها فرصة لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي وتحقيق تنمية مستدامة ترتقي بمستوى معيشة السكان في البلدان الثلاثة، ذلك أنّ الاتفاقيات لا يمكن النظر إليها على أنها ثنائية وحسب، فهي -في مجملها- رؤى استراتيجية تهدف إلى خلق توازن اقتصادي جديد في المنطقة عبر مشاريع ملموسة وحوار مستمر بين الأشقاء، ما يعكس التزام الجزائر بدورها كشريك تنموي، خاصة وأنّ الاستراتيجية الجزائرية للتكامل مع العمق الإفريقي، من السياسات الخارجية الجوهرية التي تهدف إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية بين الجزائر والدول الإفريقية، لا سيما في مناطق الساحل والصّحراء.
من هذا المنطلق، يرى هباش أنّ الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها الجزائر مع كل من النيجر وتشاد تتأسّس كجزء أساسي من هذه الرؤية الاستراتيجية، التي تؤكّد على مبدأ المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. حيث تتثمل هذه الاستراتيجية في توظيف مواردها الطبيعية المتنوعة، سواء في مجال الطاقة، المعادن، أو الزراعة، لتوسيع دائرة التعاون الاقتصادي مع دول إفريقيا جنوب الصّحراء، فبينما تملك الجزائر مكانة مرموقة كمنتج رئيسي للطاقة، تتمتّع دول مثل النيجر وتشاد بموارد أخرى يمكن أن تساهم في تعزيز التكامل الإقليمي. فمثلا، يعد النيجر واحدا من أهم منتجي اليورانيوم، في حين أنّ تشاد يمتلك إمكانات كبيرة في قطاع الزراعة والموارد الحيوانية، وبالتالي، يمكن لتلك الموارد أن تشكّل أرضية تبادل تجاري مثمرة تُسهم في بناء شبكة اقتصادية إقليمية تدعم الاستقرار الاقتصادي لجميع الأطراف.




