تؤكّد البروفيسور نعيمة سعدية من جامعة محمد خيضر ببسكرة، أن النخب المثقفة تقف اليوم أمام مسؤوليات تاريخية تتطلب تفعيل أدوات جديدة تجمع بين المعرفة والتكنولوجيا، وترى أنها تضطلع بدور محوري في توثيق التراث الجزائري، خاصة ذلك المهدد بالزوال، من خلال اعتماد مقاربات علمية دقيقة تجمع بين البحث الميداني والتحليل المنهجي،
قالت سعدية في تصريح لـ “الشعب”، إن هذا الدور يبرز بشكل خاص “فيما يتعلق بالتراث اللامادي، مثل الحكايات الشعبية والأهازيج والأمثال التي تظل عرضة للضياع أكثر من غيرها، ما يستدعي تدخل الباحثين لتسجيلها وتدوينها وفق مناهج علمية حديثة، لاسيما تلك المستمدة من الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا”.
غير أن هذا الجهد، رغم أهميته – تضيف محدثتنا – لا يحقق أهدافه كاملة في ظل غياب توظيف فعّال للتكنولوجيا الحديثة. وتشير إلى أن رقمنة التراث تمثل اليوم أحد أهم رهانات الحماية، من خلال إنشاء قواعد بيانات رقمية، وتطوير منصات تفاعلية تتيح تداول المادة التراثية وتثمينها. إلا أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين مخابر الإعلام الآلي وحقول العلوم الإنسانية، حيث يغيب التنسيق الفعلي، ما يحول دون استثمار الإمكانات التكنولوجية المتاحة في خدمة التراث.
وتحذّر سعدية من أن هذه الفجوة الرقمية لا تقتصر آثارها على ضعف التوثيق، بل تمتد لتشمل محدودية انتشار المادة التراثية، حيث تبقى العديد من الأعمال الميدانية حبيسة الأدراج لعدم تحويلها إلى صيغ رقمية.
في المقابل، تؤكّد محدثتنا أن توظيف تقنيات متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات، من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في هذا المجال، سواء عبر تحليل النصوص الشفوية أو تصنيف الموروث الثقافي وإعادة إحيائه.
وفي سياق متصل، تبرز مسؤولية الأكاديميين والمؤرخين في التصدي لمحاولات تزوير التراث أو نسبه إلى ثقافات أخرى، وهي ظاهرة باتت تتكرر في السنوات الأخيرة، وتؤكّد المتحدثة أن مواجهة هذه التحديات لا تكون إلا عبر البحث العلمي الرصين القائم على التوثيق الدقيق والتحليل النقدي للمصادر، بعيدا عن الطرح الانفعالي أو الخطاب الشعبوي، كما تشير إلى أهمية الانخراط في الهيئات الدولية، على غرار منظمة اليونسكو، كآلية فعالة لحماية التراث الجزائري، من خلال تسجيله ضمن قوائم التراث الإنساني، وهو ما يعزز حضوره عالميا ويحصنه من محاولات السطو الثقافي.
غير أنّ هذا المسار يجب أن يدعم بعمل داخلي يهدف إلى تصحيح السرديات التاريخية وتفكيك المغالطات، سواء كانت ناتجة عن جهل أو عن توجهات أيديولوجية.
في الختام، تؤكّد البروفيسور نعيمة سعدية أن صون التراث الجزائري لم يعد مسؤولية فردية أو قطاعية، فهو مشروع وطني يتطلب شراكة حقيقية بين المثقف والأكاديمي والتقني، فالمعركة اليوم لا تقتصر على حفظ الذاكرة، إنما تمتد إلى امتلاك أدوات حمايتها، بما يضمن استمرارية هذا الإرث الحضاري كركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية






