حينما تتصاعد النزاعات حول نسب عناصر تراثية بين الدول، يتقدم سؤال دور المثقف إلى الواجهة بوصفه فاعلا في بناء الأمن الثقافي. فسرقة التراث ليست خلافا رمزيا عابرا، بل مساسا بالهوية والسردية الوطنية وحق التمثيل، ويقتضي ذلك ضبط المفاهيم وتأطير الإشكال من مختلف الزوايا، تمهيدا لتحديد مسؤولية المثقف في حماية الذاكرة، وتثبيت النسب الموثق داخل الوطن وخارجه، ضمن سياق تنافس دولي على الاعتراف والتمثيل الثقافي.
عندما نكون أمام محاولات سرقة التراث، بمعنى نسب عناصر ثقافية إلى دول غير تلك التي نشأت في فضائها التاريخي والاجتماعي، فإن الأمر لا يتعلق بخلاف رمزي عابر، فالمسألة اعتراف وهوية وسيادة ثقافية، تمسّ حق المجتمعات في صون ذاكرتها وتمثيل نفسها أمام العالم.
هو واقع تؤكّده عديد النزاعات المعاصرة حول أزياء تقليدية، أو أطباق شعبية، أو ممارسات فنية وطقوس اجتماعية، تحولت إلى موضوع مطالبات متبادلة ومحاولات تسجيل دولي. ويكشف هذا التكرار أن الصراع على التراث أصبح جزءا من معادلات القوة الرمزية بين الدول، وأن الدفاع عنه لم يعد شأنا ثقافيا صرفا، بل قضية تتقاطع فيها المصالح والأهداف.
مفاهيم متشابكة
يشير تعبير “سرقة التراث” إلى جملة من الممارسات التي تتعلق بإعادة نسب عنصر ثقافي إلى جهة غير حامليه الأصليين، أو السعي إلى تسجيله باسم دولة واحدة مع إقصاء أطراف أخرى، أو إعادة تقديمه في سردية تاريخية تمحو جذوره وسياقه.
بهذا المعنى، تُفهم سرقة التراث بوصفها استحواذا رمزيا يمس حق الاعتراف والتمثيل أكثر مما يمسّ الملكية المادية، وهي تختلف عن التبادل الثقافي المشروع أو التداخل التاريخي بين المجتمعات، كما تختلف عن حالات التراث المشترك العابر للحدود؛ إذ تقوم على عنصر الإقصاء أو الإنكار أو التشويه.
ويقتضي النقاش الدقيق لمسألة “سرقة التراث” التمييز بين مجموعة من المفاهيم المتشابهة. فـ “الاستحواذ الثقافي” (Cultural Appropriation) يشير إلى تبنّي عنصر ثقافي من جماعة أو دولة أخرى وإعادة توظيفه في سياق مغاير، وقد يكون ذلك ضمن تفاعل تاريخي مشروع، أو ضمن علاقة قوة غير متكافئة.
أمّا “الاستيلاء غير المشروع” (Cultural Misappropriation) فيحمل حمولة معيارية واضحة، إذ يفترض انتزاع العنصر من سياقه الأصلي وتقديمه بصورة تُقصي أصحابه أو تشوّه معناه.
ويختلف ذلك عن “ادعاء التراث” (Heritage Claiming) الذي يتعلق بمطالبة دولة بالاعتراف بعنصر بوصفه جزءا من هويتها الوطنية، سواء عبر التسجيل الدولي أو الخطاب الرسمي. ويمكن القول إن كل سرقة للتراث هي ادعاء، لكن ليس كل ادعاء للتراث سرقة.
في المقابل، يُستعمل تعبير “الضمّ الثقافي” (Cultural Annexation) في سياقات سياسية أكثر حدة، ليحيل إلى توظيف التراث ضمن مشروع سيادي يهدف إلى توسيع المجال الرمزي لدولة على حساب أخرى.
وهكذا، يصبح تحديد هذه المصطلحات شرطا لفهم طبيعة النزاع: هل نحن أمام تبادل ثقافي، أم تنازع على الاعتراف، أم ممارسة إقصائية تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة؟
الاعتراف الدّولي وصراع السّيادة
على المستوى القانوني، تستند النزاعات التراثية إلى آليات الاعتراف الدولي، وفي مقدمتها اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (اليونسكو، 2003). فالتسجيل باسم دولة معيّنة قد لا يمنحها “ملكية عقارية” بالمعنى التقني، لكنه يقرّ بأولوية صونها للعنصر ويمنحها سندا قانونيا ورمزيا في مواجهة أي ادعاء خارجي. لذلك تتحول عملية التسجيل إلى أداة ذات وزن في النزاعات، لأنها تؤسس لمرجعية دولية يُستند إليها دبلوماسيا عند الطعن في نسب عنصر ثقافي أو محاولة الاستحواذ عليه.
وفي هذا الصدد، لا بد من التمييز بين حالتين مختلفتين في النزاعات التراثية، فهناك عناصر ثقافية تشكّلت تاريخيا داخل فضاءات حضارية مشتركة، وتوزّعت ممارستها بين مجتمعات متجاورة، ما يجعلها قابلة للتسجيل المشترك أو للاعتراف المتعدد دون تعارض. في المقابل، توجد عناصر أخرى ترتبط بسياق تاريخي وجغرافي محدد، وتشكل جزءا أصيلا من الذاكرة الجماعية لدولة بعينها، بحيث لا يستقيم نسبها إلى غيرها دون إقصاء للمعطيات التاريخية والشواهد الثقافية. والخلط بين هاتين الحالتين قد يفضي إلى الاستحواذ غير المشروع على عناصر تراثية واضحة الانتماء، وتحويل مسألة الاعتراف إلى ممارسة تمسّ حق الدولة في صون موروثها الثقافي والدفاع عنه.
ولا ينفصل هذا التمييز عن البعد السياسي والدبلوماسي للنزاعات التراثية، إذ يتحول العنصر الثقافي في كثير من الحالات إلى أداة لإعادة تعريف المكانة الرمزية للدولة في المجال الإقليمي أو الدولي.
فحين يُنسب عنصر تراثي إلى غير أصحابه، لا يكون الأمر مجرد اختلاف في التأويل، بل مساسا بصورة الدولة وهويتها الثقافية أمام العالم، لذلك تتجاوز المسألة الإطار الثقافي لتدخل في نطاق العلاقات الدولية، حيث يُوظَّف التسجيل أو الاعتراف أو الخطاب الرسمي لتعزيز سردية وطنية بعينها.
وعليه، يصبح الدفاع عن التراث دفاعا عن الاعتراف التاريخي والتمثيل المشروع، لا مجرد تحفظ على قراءة مختلفة للماضي.
المثقّف.. فاعل محوري ومؤثّر
في مواجهة محاولات الاستحواذ على التراث، لا يقف المثقف موقع المراقب المحايد، بل موقع الفاعل في صراع المعنى والاعتراف، فبحسب تصور أنطونيو غرامشي، يضطلع المثقف بوظيفة إنتاج الوعي داخل مجتمعه، لا بوصفه ناقلا للمعرفة فحسب، بل مساهما في تشكيلها وتوجيهها، وعندما يتعلق الأمر بالتراث، تصبح هذه الوظيفة مرتبطة بتثبيت السردية الموثقة، وكشف الاختلالات في نسب العناصر الثقافية.
ويتقاطع ذلك مع ما شدّد عليه إدوارد سعيد حول مسؤولية المثقف في قول الحقيقة في مواجهة التمثيلات غير الدقيقة أو المهيمنة، خاصة حين تتحول السردية إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية الرمزية بين الدول.
وينتقل هذا الدور من المستوى النظري إلى المجال العملي عبر جملة من الآليات: فأول ما يضطلع به المثقف هو التوثيق العلمي الرصين للعناصر التراثية، من خلال جمع المصادر، وتحقيق النصوص، وأرشفة الشهادات الشفوية، وتثبيت الشواهد التاريخية ضمن دراسات قابلة للتحقق.
كما يتعين عليه تفكيك السرديات الانتقائية التي تُبنى على اقتطاع جزئي للمعطيات، عبر نشر أبحاث محكّمة تُخاطب المجتمع العلمي الدولي لا الرأي العام المحلي فحسب، ولا يقل أهمية عن ذلك الانخراط في اللجان العلمية الوطنية، والإسهام في إعداد ملفات التسجيل الدولي بمرجعية أكاديمية دقيقة، بما يحول دون ترك المجال لقراءات غير موثقة، وبذلك، يصبح تدخل المثقف ممارسة معرفية مؤسِّسة للشرعية، لا مجرد موقف احتجاجي.
ويتجاوز دور المثقف حدود البحث الأكاديمي حين يقترن بمكانة اجتماعية وتأثير فعلي داخل بلده وخارجه. فالمثقف الذي يحظى بحضور واعتراف وطنيين يسهم في تعريف مواطنيه بتراثهم، ويعمل على ترسيخ وعي جماعي بأصوله وقيمته، وهو ما يشكّل قاعدة صلبة لأي دفاع خارجي عنه.
وعندما يمتد حضوره إلى الفضاء الثقافي الدولي، ككاتب أو فنان أو باحث معروف، يصبح قادرا على نقل السردية الموثقة إلى جمهور أوسع، وتثبيت النسب الصحيح للعناصر محل النزاع، ويتجاوز أثر هذا الدور البعد الثقافي ليطال المجالين السياسي والاقتصادي، إذ يؤثر في صورة الدولة، وفي جاذبية تراثها ضمن الحقل الثقافي العالمي.
في الأخير، يظلّ تدخل المثقف مشروطا بالتزام الضوابط الأخلاقية والمعيارية في البحث والتوثيق، وهو ما يميّزه عن الخطاب الانفعالي ويمنحه شرعيته في الدفاع عن التراث، الذي هو، في جوهره، دفاع عن الاعتراف والسردية الموثقة. والمثقف، بما يملكه من معرفة وتأثير، لا يواجه محاولات الاستحواذ بالانفعال، بل بإنتاج الدليل، وترسيخ الوعي، وتثبيت النسب الصحيح في الداخل والخارج. هكذا يتحول دوره من ردّ فعل ظرفي إلى فعل تأسيسي يحمي الذاكرة ويصون الهوية.






