تنطلق اليوم، بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، فعاليات الملتقى الوطني “جماليات التراث، من الذاكرة الحضارية إلى الابداع المعاصر”، ويدرس المشاركون، على مدار يومين، التراث الأثري والفني باعتباره حاملا للقيم الجمالية والتعابير الثقافية، وطرائق الاستلهام منه في الفنون الحديثة.
بتنظيم من فرقة البحث في جماليات الفنون البصرية بمخبر البحث في الفن الجزائري الحديث والمعاصر، تحتضن المدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة الملتقى الوطني “جماليات التراث، من الذاكرة الحضارية إلى الابداع المعاصر”، الذي تجري فعالياته على مدار يومين بداية من اليوم الاثنين.
يستهدف الملتقى الأساتذة والباحثين من مختلف الجامعات والمراكز الجامعية ومراكز البحث الوطنية، ولكن أيضا الفنانين والمصممين والمهتمين بالتراث.
وتتأكد راهنية هذه التظاهرة في ظل العولمة الثقافية التي تفرض هيمنة بصرية تهدّد الخصوصيات الجمالية المصلية وتقصي التعددية التعبيرية. ومن هنا، يسعى هذا الفضاء الأكاديمي والفني إلى إعادة قراءة التراث البصري الجزائري وفق مقاربات نقدية وجمالية ومفاهيمية حديثة، وتثمين دوره بوصفه محفزا جوهريا للإبداع المعاصر.
كما يهدف إلى فتح قنوات الحوار العلمي بين الباحثين في حقول علم الجمال والنقد الفني وتاريخ الفن، والفنانين البصريين الممارسين، لمساءلة آليات توظيف الموروث في المنجز الفني المعاصر، واستكشاف كيفية مساهمة هذا التوظيف في صياغة هوية بصرية جزائرية متجدّدة، قادرة على الحضور والتأثير في المشهد الفني الإقليمي والدولي، دون أن تفقد جذورها الحضارية.
ومن أهداف الملتقى أيضا إبراز الأبعاد الجمالية للتراث الأثري والفني، وتعزيز البحث العلمي في مجال التراث وعلاقته بالفنون، وتشجيع المقاربات متعددة التخصصات (آثار، فنون، أنثروبولوجيا، تاريخ..)، وتثمين التراث الثقافي المادي واللامادي وإعادة الاعتبار له، واستكشاف سبل توظيف التراث في الإبداع الفني المعاصر، والمساهمة في ترسيخ الهوية الثقافية والحضارية.
ووفقا لمنظمي الملتقى، فإن التراث البصري، بشقيه المادي واللامادي، يُشكل نسقا سيميائيا وجماليا متجذرا في البنية الثقافية والحضارية للمجتمعات الإنسانية، إذ يتجاوز كونه مجرد أثر تاريخي أو شاهد أركيولوجي، ليرتقي إلى مصاف الذاكرة البصرية الجماعية التي تختزن الأنساق الفكرية والرمزية والتعبيرية المتعاقبة.
وفي السياق الجزائري تحديدا، تتجلى هذه الذاكرة عبر تراكمات بصرية بالغة الثراء والتنوّع، تمتد من النقوش الصخرية في طاسيلي ناجر (التي تعدّ من أقدم المعارض الفنية المفتوحة في تاريخ البشرية) مرورا بالعمارة الإسلامية وفنون الزخرفة والمنمنمات والنسيج التقليدي، وصولا إلى التعبيرات التشكيلية الحديثة والمعاصرة.
وإضافة إلى كونه شاهدا على العبقرية الفنية المحلية، فإن هذا الموروث يؤسس لمنظومة جمالية متكاملة تعكس الهوية البصرية الجزائرية في تفاعلها المستمر مع محيطها الجغرافي والتاريخي والإنساني.
وعليه، تستوجب المقاربة الأكاديمية للفنون البصرية المعاصرة في الجزائر تفكيك العلاقة الجدلية القائمة بين مفهوم “الأصالة” المتمثل في الموروث البصري بكل طبقاته الدلالية، ومفهوم “المعاصرة” الذي تفرضه التحولات الجمالية والتقنية والمفاهيمية على الصعيد العالمي.
فالتراث البصري الجزائري لم يعد في الممارسة الفنية الراهنة مجرد موضوع للاستنساخ أو الحنين الرومانسي، بل تحوّل إلى حقل خصب للتهريب والاستنطاق الجمالي وإعادة التأويل.
وقد أدرك رواد الحركة التشكيلية الجزائرية، أمثال محمد راسم في فن المنمنمات، ومحمد إسياخم في التعبيرية الدرامية، ومحمد خدة في التجريد الحروفي، وباية محي الدين في عوالمها اللونية الفطرية، أهمية استلهام العلامة والرمز التّراثيين، وإعادة تدويرهما ضمن قوالب حداثية تتجاوز الفلكلرة السطحية، لتؤسس لخطاب بصري معاصر يحمل بصمة الهوية المحلية ويحاور في الوقت ذاته التيارات الفنية العالمية..
وعليه، يطرح الملتقى إشكالية مفادها: كيف يمكن للفنون البصرية الجزائرية المعاصرة أن تُعيد تفكيك الشفرات الرمزية والجمالية للتراث البصري المصلي وإعادة تركيبها ضمن أنساق إبداعية حداثية، بما يُسهم في بناء هوية بصرية جزائرية متجدّدة قادرة على مقاومة الهيمنة الثقافية السائدة، وذلك في ظلّ التحولات التي تفرضها الوسائط التكنولوجية والرقمية الجديدة على أشكال الإنتاج الفني وآليات تلقيه؟
ويجيب المشاركون في محاور أولها الإطار المفاهيمي لجماليات التراث الأثري والفني، وثانيها التراث الأثري والفني كحامل للقيم الجمالية والتعابير الثقافية (العمارة، الفسيفساء، النقوش، الحرف، الصناعات التقليدية، الزخرفة)، وثالثها “التراث والإبداع المعاصر” (استلهام التراث في الفنون الحديثة، التصميم، الفنون البصرية)، أما المحور الرابع فيتعلق بآليات حماية التراث وتثمينه.





