شريــــك استراتيجــــي وبوابــــة العمــــق القـــاري
مثــال استثنائـــي ورائـــد للانفتاح على الأسواق الخارجية
أكد مدير التجارة والصناعة الأسبق لدى الاتحاد الإفريقي، حسن حسين، أن الجزائر من بين أكثر الدول الإفريقية جذبا للاستثمارات الخارجية، وأثنى على استضافتها لتظاهرات اقتصادية كبرى، بما يثبت إرادتها في تحقيق التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول القارة، خاصة وأنها بلغت مستويات متقدمة في إنجاز مشاريع البنى التحتية العابرة للدول.. التقيناه على هامش ملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة، فكان هذا الحوار..
الشعب: نحن اليوم في فعاليات أشغال الطبعة 12 لملتقى إفريقيا للاستثمار والتجارة الذي أصبح موعدا سنويا قاريا، يجمع الحكومات والهيئات القارية والفاعلين الاقتصاديين من جميع الدول الإفريقية، الجزائر هي البلد المستضيف للحدث، كيف ترون الوجهة الاستثمارية الجزائرية؟.
^^ حسن حسين: لو نظرنا إلى الجزائر والإمكانات الجزائرية، نجد أن معظم الاستثمارات التي يتم توجيهها إلى الجزائر تشهد نموا كبيرا، سواء كانت استثمارات من خارج إفريقيا أو من داخلها، فالجزائر تتمتع بقدر كبير من الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى أهمية العلاقات الثنائية السياسية المتوازنة والاقتصاد المتنامي، والجزائر من بين أكثر الدول جذبا للاستثمار في إفريقيا، ومن أكبر خمس أو أربع دول إفريقية من حيث حجم الاستثمارات، كما تتميز بتنوع مواردها الطبيعية، وهي من الدول القليلة في العالم التي تتمتع بعدم وجود ديون خارجية.. وعلى الرغم من أن الجزائر تشكل شريكا أساسيا للعديد من الدول، فإنها تواصل تعزيز قنواتها الاستثمارية بفضل النمو المتواصل في حجم الاستثمار ومنهجية الاقتصاد المعتمدة، ولهذا أود أن أركز على إنتاج الطاقة والأمن الغذائي، وآمل أن نتمكن معا من تحقيق التقدم. وهنا أفتح قوسا لأشكر الجزائر رئيسا وحكومة وشعبا على كرم الضيافة، وهي التي تجمع دول القارة في كل مرة في تظاهرات اقتصادية كبرى، وكان من أبرزها تنظيم معرض التجارة البينية الإفريقية الذي شكل نسخة استثنائية وناجحة إلى حد بعيد.. كما يشهد المنتدى الإفريقي للتجارة والاستثمار، المنعقد حاليا، نجاحا متناميا، وتؤكد النسخة الثانية عشرة منه، هذا التطور الواضح، فكل نسخة تكون أفضل بكثير من سابقتها، سواء من حيث التنظيم أو من حيث استقطاب المستثمرين ورجال الأعمال.
ما تقييمكم لمستوى التجارة البينية الإفريقية، في ظل المتغيرات الجيو-اقتصادية التي يعرفها العالم اليوم؟
^^ المبادلات التجارة البينية الإفريقية، تشير إلى مستويات منخفضة مقارنة بفرص الاستثمار والتعاون البيني الممكن تعزيزها إلى مستوى أقوى من الشراكات البينية، ولأكون أكثر دقة ووضوحا، فالتجارة البينية الإفريقية تقدر بـ15 بالمائة من تجارة إفريقيا مع العالم، وهو رقم يمكن تفسيره بعدة عوامل، سأذكرها لاحقا، في نفس الوقت، تشير الإحصائيات المسجلة إلى ما قيمته 15 بالمائة من التجارة غير الرسمية، وهي تجارة غير مسجلة لدى الجهات الحكومية الرسمية، تتم عبر الحدود، وبعملية حسابية، يصبح إجمالي التجارة البينية الإفريقية 30 بالمائة من تجارة إفريقيا مع العالم.
وبالنظر إلى مستوى المبادلات التجارية العالمية يمكن القول إن التجارة البينية الأسيوية تشكل 460 بالمائة، في حين بلغت نسبة التجارة البينية الأوربية 65 بالمائة، ونفس النسبة بالنسبة للتجارة البينية بأمريكا الشمالية.. وكما صرحت سابقا فيما يخص العوامل التي تقف وراء انخفاض نسبة التجارة البينية الإفريقية، أذكر أهم وأقوى عامل وهو تشابه الهياكل الإنتاجية، حيث لا يمكن أن نتصور مبادلات تجارية بين بلدين ينتجان نفس المنتجات الصناعية والتجارية والمواد الخام، والحل هنا يكمن في التوجه إلى تنويع الاقتصاد، وتنويع المنتجات المصنعة وتصنيع المواد الخام عوض تصديرها في شكلها الخام، وهنا تكمن الإضافة التي تقدمها الحكومات لاقتصادياتها، من خلال اعتماد استراتيجية التصنيع، فبتصديرنا، كبلدان إفريقية، لموادنا الخام، فأننا نصدر معها فرص عمل لشبابنا الإفريقي، وبالتالي إضافة قيمة تصنيعية للمواد الخام يشكل قيمة مضافة عالية ويخلق فرص كبيرة لتوفير مناصب الشغل.
تحدثتم عن عوامل محددة لنمو وتطور التجارة البينية الإفريقية من عدمه، ما هي أهم هذه العوامل؟
^^ العوائق والعراقيل الجمركية التي نشيد بدور الحكومات الإفريقية فيما تعلق بالحوار الدائم والمباشر، عبر منطقة التجارة البينية الحرة الإفريقية، كما أشيد باللقاءات التي تجمع باستمرار وزراء التجارة الإفريقية، بدعم من رؤساء دولهم، لإزالة العراقيل التجارية بين الدول الإفريقية، ولعلكم لاحظتم مدى التطور الملموس الذي أحرزته المنظومة التجارية الإفريقية من انفراج تجاري فيما يخص العراقيل الجبائية والجمركية مثل قواعد المنشأ ومعايير الجودة وغيرها من العوامل التي تشكل حاجزا أمام انسيابية التجارة البينية الإفريقية، وفي هذا الصدد، أذكر عاملا مهما يتمثل في البنية التحتية، من خطوط برية وجوية وخطوط سككية وموانئ.. وهنا أثمن ما بلغته الجزائر من مستويات من أجل تطوير بنيتها التحتية واللوجيستية التي ستخدم – لا محالة – التجارة البينية الإفريقية، مثل الخط العابر للصحراء الذي يمكن اعتباره شريان الصحراء التجاري النابض الذي سيربط البوابة الجزائرية بدول الجوار ومنها على العمق الإفريقي..
ضمن هذا الزخم الاقتصادي والتجاري الذي تعرفه القارة الإفريقية اليوم، تبرز الهيئات والمؤسسات القارية والبنوك التمويلية القارية، كمحرك مهم لعجلة الاستثمارات والمبادلات البينية. حدثونا عن هذا الدور؟
^^ بالنسبة للجهود التي تبذلها المؤسسات والهيئات الدولية الإفريقية والمؤسسات المالية والبنوك الإفريقية، أذكر منها مفوضية الاتحاد الإفريقي، وغيرها من الهيئات التي تعمل على توحيد الجهود من أجل الرفع من مستوى التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري البيني الإفريقي، دون التغاضي عن الدور الذي تلعبه التظاهرات الاقتصادية القارية مثل «إياتياف 2025» الذي جمع الأشقاء الأفارقة بالجزائر، وتمخض عنه كم معتبر من الاتفاقيات ما يعكس نجاحا فعليا للتظاهرة.
كما أشيد بالدور المهم الذي يلعبه البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك ومقره القاهرة بمصر، وبنك التنمية الإفريقي ومقره بساحل العاج، حيث تمكنت هذه البنوك من تمويل مشاريع استثمارية كبرى بعدة دول إفريقية لبعث التنمية الاقتصادية والاستثمارات، خاصة المشاريع المتعلقة بالبنى التحتية ما يسهل الربط اللوجيستي بين الدول الإفريقية. كما يجب التنويه بجهود الاتحاد الإفريقي في رسم الاستراتيجيات والخطط الاقتصادية ونشر التوعية بين الدول حول الطرق المثلى للنهوض بالتنمية والاستثمار بشكل عام.
لا يمكن أن نتحدث عن نجاح رؤية استراتيجية اقتصادية دون إرادة سياسية حقيقية تقف وراءها وتدعمها، وهو ما يسعى القادة الأفارقة جاهدين لتحقيقه من أجل الرفع من مستوى التعاون بين دولهم، لا سيما فيما تعلق بالتجارة البينية. ما رأيكم أستاذ؟
^^ أكيد، التجارة البينية القارية تسير اليوم بخطى واثقة وضمن مسار تصاعدي بفضل السياسات التي سطرتها الدول الإفريقية، في إجماع صريح وضمني منها، على ضرورة استثمار الموارد الإفريقية إقليميا وبناء اقتصاد إفريقي قوي يمكنه مواجهة الهزات الاقتصادية العالمية، من صنع الأفارقة ولأجل الأفارقة، حيث لاحظنا مدى حرص الحكومات الإفريقية على خلق بيئة استثمارية وبعث التنمية بإفريقيا، بداية بتوفير بنية تشريعية وقانونية، تجعل من التجارة والاستثمار روافد حقيقية لبناء الاقتصاد، وفي منتهى الشفافية، كما أركز على جهود المؤسسات في محاربة الفساد، وتسريع التحول الرقمي الذي من شأنه التقليل من نسبة هذا الأخير ويقلل من البيروقراطية، ويربط – بشكل عاجل – الاقتصاد الإفريقي، والتجارة الإفريقية بالاقتصاد العالمي، كما ذكرت سلفا الجهود التي تبذلها الدول الإفريقية للنهوض باقتصادياتها وبعث التنمية لفائدة شعوبها لا يستهان بها، حيث سجلنا تطورا مهما على مستوى هذه الدول من حيث توفير الخدمات اللوجيستية، وربط الكهرباء، وبعث مناطق التبادل التجاري الحر كمنظومة تساعد وتمنح دفعة قوية للتجارة والاستثمار بالدول الإفريقية.
الشراكات أهم محور تناوله هذا الملتقى، في رأيكم أستاذ حسن، كيف تبنى الشراكات الناجحة؟
^^ الشراكات المثلى تقوم على المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة، وهنا أشير إلى أنه يوجد على مستوى الاتحاد الإفريقي مديرية خاصة تعنى بالشراكات الاقتصادية، وبرامج تعاون مع دول عديدة من مختلف القارات العالمية، حيث قام الاتحاد الإفريقي بعقد شراكات مهمة مع الصين وروسيا واليابان وفق برامج ومجالات زمنية محددة.
أما على مستوى الدول الإفريقية، والتي تعد الجزائر أحد نماذجها الناجحة في الانفتاح على الشراكات الدولية المتوازنة مع محيطها الخارجي، في سياق جيوا-اقتصادي حساس، تمكنت خلاله الجزائر من عقد شراكات قائمة على الربحية والتوازن والاحترام المتبادل مع جميع الشركاء دون تمييز، والحرص على نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات والرفع من القدرات الإنتاجية والاستثمار المربح للموارد البشرية، وهنا أشيد بالمورد البشري الإفريقي الذي لا يفتقر أبدا للكفاءة والذكاء ما يجعله مصدر ابتكار وقيمة مضافة لقارته.

