في القدس، لا تبدو الأحداث مجرّد توتراتٍ مؤقتة يمكن احتواؤها ببيانات الشجب والإدانة، إنما مشهدا متصاعدا يكشف عن مشروعٍ خطير يستهدف هوية المدينة ومقدساتها، ويعمل بصورةٍ ممنهجة على تحويل التطرف الديني والسياسي إلى أداةٍ لإعادة تشكيل الواقع بالقوة.
فالتصريحات التي أطلقها عضو الكنيست الصهيوني المتطرف يتسحاك كرويزر، والتي دعا فيها علنا إلى إزالة المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى “الهيكل” مكانه، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خطابٍ متشنج أو موقفٍ فردي، إنما هي انعكاسٌ لخطابٍ تحريضي يتنامى داخل دوائر اليمين الصهيوني المتطرف، ويجد له مساحة متزايدة داخل المشهد السياسي الصهيوني.
إن خطورة هذه الدعوات تكمن في أنها تمسّ واحدا من أكثر الأماكن قداسة وحساسية في العالم، وتستهدف بصورةٍ مباشرة الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، في تجاوزٍ واضح لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تؤكد حماية المقدسات الدينية وصون حرمتها.
وفي موازاة هذا التحريض السياسي، تتكرّر المشاهد الاستفزازية في مدينة القدس بصورةٍ تكشف حجم التحوّل الذي تشهده المدينة تحت سلطة الاحتلال.
ففي منطقة باب العامود، ظهر مستوطنون وهم يطلقون الشتائم والألفاظ العنصرية، ويرددون هتافات “الموت للعرب”، في مشهدٍ يعكس تصاعد خطاب الكراهية والتحريض العلني ضد الفلسطينيين، وسط حمايةٍ سياسية وأمنية واضحة.
ولم يكن وجود الوزير الصهيوني المتطرف إيتمار بن غفير في تلك المشاهد تفصيلا منفصلا، إنما رسالة سياسية تؤكد حجم الدعم الذي تحظى به الجماعات المتطرفة داخل حكومة الاحتلال، الأمر الذي يسهم في تأجيج التوتر، ويدفع المدينة نحو مزيدٍ من الاحتقان.
أما المسجد الأقصى، فقد بات ساحة مفتوحة لمحاولات فرض واقعٍ جديد من خلال الاقتحامات المتكررة والطقوس الاستفزازية التي يؤديها المستوطنون، خاصة في المنطقة الشرقية قرب مصلى باب الرحمة.
وهذه الممارسات لا يمكن فصلها عن محاولات تكريس تقسيمٍ زماني ومكاني للمسجد، في استنساخٍ واضح لما جرى في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، الأمر الذي يثير مخاوف حقيقية من تصاعد الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس.
ورغم كل هذا المشهد الثقيل، تبقى القدس مدينة تعرف كيف تحمي ذاكرتها.
فالأقصى ليس مجرد بناءٍ أثري أو معلمٍ ديني، إنما هو جزءٌ من الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، وعنوانٌ لمعركة الهوية والوجود في مدينةٍ يحاول الاحتلال إعادة تشكيلها بالقوة.
إن ما يجري في القدس اليوم يتطلب موقفا دوليا أكثر جدية، لأن الصمت أمام خطاب التحريض الديني والعنصري لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، إنما يهدد الاستقرار الإنساني والديني في المنطقة بأسرها.
فالتحريض على المقدسات، وإطلاق دعوات هدم الأقصى، والتسامح مع ممارسات الكراهية، كلها مؤشرات خطيرة على مرحلةٍ يسعى فيها التطرف إلى تحويل الصراع من احتلالٍ سياسي إلى صراعٍ ديني مفتوح.
وستبقى القدس، رغم الألم، أكثر قدرة على البقاء من كل مشاريع الاقتلاع، لأن المدن المقدسة لا تسقط ما دام أهلها يتمسكون بحقهم، وما دامت الذاكرة تحفظ أسماء الشوارع، وصلوات المآذن، وحكايات الحجر العتيق.






