الفـن التشكيلـي والموسيقى.. مبدعــون يحيـون الذاكـــرة الثقافيــة
«قعــدة قهـوة العاصــر” والأهازيج الشعبيــة ترافـــق نســاء الملايـة
في عاصمة الشرق الجزائري، لا تبدو “الملاية” مجرد لباس تقليدي أسود تخفي المرأة تفاصيله، بقدر ما تبدو ذاكرة مدينة كاملة تمشي على مهل بين الأزقة العتيقة والجسور المعلقة، حاملةً معها حكايات الجدّات وملامح زمن ظل يقاوم النسيان، ومع كل موعد تراثي، تستعيد المدينة جزءا من روحها وهي ترى هذا اللباس يعود من جديد إلى الواجهة..
احتضن المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية قصر الحاج أحمد باي فعاليات الطبعة الخامسة لـ«يوم الملاية والحايك”، المنظمة ضمن برنامج شهر التراث 2026 تحت شعار “احكي يا قسنطينة… الملاية تراث ورواية”، وذلك برعاية من وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، وبالتنسيق مع الباحث الدكتور رياض شروانة، في تظاهرة اختير لها هذه السنة اسم الروائية أحلام مستغانمي، لما تحمله كتاباتها من ارتباط عميق بالمدينة والمرأة والذاكرة الجزائرية.
ومنذ اللحظات الأولى لدخول فضاءات القصر، يجد الزائر نفسه أمام مشاهد تستحضر قسنطينة القديمة بكل تفاصيلها؛ عارضات بالملاية القسنطينية، أقمشة سوداء تنساب بهدوء، ووجوه تحاول إعادة بعث صورة المرأة القسنطينية كما عرفتها المدينة لعقود طويلة. هنا، لا يُعرض اللباس كقطعة تراثية فقط، بل كجزء من سلوك اجتماعي وطقوس يومية صنعت خصوصية المرأة في الشرق الجزائري.
وأكدت مديرة متحف الفنون والتعابير الثقافية التقليدية “قصر الحاج أحمد باي” مريم قبايلية أن هذه التظاهرة تسعى إلى إعادة الاعتبار للموروث اللباسي التقليدي وربطه بالأجيال الجديدة، معتبرة أن “الملاية ليست مجرد زي تقليدي، بل جزء من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمرأة الجزائرية، ورمز يحمل الكثير من الدلالات التاريخية والإنسانية”. كما تضمن البرنامج عرض فيديو خاص بكلمة للروائية أحلام مستغانمي، تحدثت فيه عن رمزية “الملاية” وعلاقتها بقسنطينة وما تختزنه من معاني الحنين والهوية والأنوثة الجزائرية.
وفي السياق ذاته، قالت دحو كلثوم قيطوني إن “الملاية” كانت في الأصل سترة للمرأة الجزائرية ولباسًا يعكس مكانتها الاجتماعية وخصوصيتها الثقافية، حيث انتشرت بشكل واسع في مدن الشرق الجزائري، وكانت تُنسج – بحسبها – باللون الأبيض المخطط بالأزرق قبل أن تتحول تدريجيًا إلى اللون الأسود المعروف اليوم، في ظاهرة ما تزال تثير تساؤلات الباحثين في التراث الشعبي والتاريخ الاجتماعي. وأوضحت أن هذا اللباس لم يكن مجرد زي تقليدي، بل شكل جزءًا من شخصية المرأة القسنطينية ومرآة لوقارها وهيبتها داخل المجتمع.
كما استحضرت ليلى سهيلي حرفية ومهتمة بالتراث، جانبا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بطريقة ارتداء الملاية، موضحة أن الملاية القسنطينية تتميز بطريقة لف دقيقة ومحكمة، خاصة في كيفية تثبيت “العجار” الأسود الذي لا يظهر سوى جزء بسيط من الوجه، ما يمنح المرأة حضورا مهيبا ارتبط بصورة القسنطينية عبر الزمن، مشيرة إلى اختلافها عن الملاية السطايفية والقالمية من حيث طريقة اللف وبعض التفاصيل المرتبطة بالعادات المحلية.
وتضمن البرنامج ورشات حية حول كيفية ارتداء الملاية ومكوناتها، إلى جانب عرض خاص بالملاية القسنطينية داخل المتحف، قبل أن تنطلق الخرجة التراثية بلباس الملاية والحايك من قصر الحاج أحمد باي نحو قلب المدينة القديمة وتحديدًا إلى حي سيدي جليس العريق، في مسيرة ثقافية امتزجت فيها الأهازيج التراثية بخطوات النساء المتشحات بالملاية، وسط تفاعل لافت من المواطنين الذين التفوا حول التظاهرة واستحسنوا المبادرة، في مشهد أعاد للتقاليد القسنطينية شيئًا من أنفاسها المنسية. كما شهدت الخرجة مشاركة أزيد من خمسين سيدة ارتدين الملاية والحايك، في صورة أعادت للمدينة ملامح نسائها كما تحفظها الذاكرة الجماعية.
وعلى امتداد الأزقة والشوارع العتيقة، بدا سكان المدينة وكأنهم يستعيدون جزءًا من ذاكرتهم الجماعية، حيث تحولت الخرجة إلى لحظة لقاء بين التراث وأهله، وبين الماضي الذي تحفظه الصور والروايات، والحاضر الذي يحاول إعادة اكتشاف هويته الثقافية من خلال تفاصيل بسيطة ما تزال قادرة على إثارة الحنين.
وبين أروقة المتحف وأصوات الموسيقى التقليدية، يلتقي الفن بالتوثيق، حيث يشارك فنانون تشكيليون ومصورون فوتوغرافيون وجمعيات ثقافية وحرفيون في صناعة مشهد جماعي يحتفي بالموروث المحلي، وقد شهدت الأمسية معرضا للفنانة التشكيلية رجاء صغير خصص للوحات مستوحاة من “الملاية”، إلى جانب وصلات موسيقية أحياها كل من الشيخ محمد شريف زعرور والفنان وسيم القسنطيني، فيما استحضرت الحرفية ليلى سهيلي أجواء “قعدة قهوة العاصر”، تلك العادة القسنطينية الأصيلة التي كانت تجمع النسوة حول القهوة والحلويات التقليدية وأحاديث المساء، في مشهد أعاد دفء البيوت القديمة وطقوسها الاجتماعية إلى قلب التظاهرة.
ولا يخفي القائمون على هذه المبادرة سعيهم إلى إعادة الاعتبار للملاية والحايك باعتبارهما جزءًا من الذاكرة الثقافية الجزائرية، خاصة في ظل تراجع حضورهما في الحياة اليومية، حيث تحاول التظاهرة ربط الأجيال الجديدة بهذا الموروث عبر الصورة واللباس والعرض الحي والتوثيق الفني.في قسنطينة، لا تزال الملاية قادرة على استحضار المدينة القديمة بكل ما فيها من دفء وحنين، وكأنها تختصر ذاكرة نساء عبرن الأزقة الحجرية بخطوات هادئة، تاركات خلفهن حكايات لا تزال معلقة بين الجسور والبيوت العتيقة حتى اليوم.





