لم يعد الحديث عن «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين» مجرد تهديد سياسي أو مادة للتحريض الانتخابي داخل دولة الاحتلال، بل دخل مرحلة التنفيذ العملي بعد توسيع تطبيقه داخل المحاكم العسكرية في الضفة الغربية المحتلة. وهذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءً قانونيًا عابرًا، بل باعتبارها تحوّلًا خطيرًا في بنية النظام الاستعماري الصهيوني، وانتقالًا من إدارة الاحتلال إلى شرعنة القتل القضائي بحق الفلسطينيين.
إنّ أخطر ما في هذا القانون لا يكمن فقط في عقوبة الإعدام ذاتها، بل في البيئة التي ستُطبّق فيها: محاكم عسكرية تفتقر أصلًا إلى الحد الأدنى من معايير العدالة الدولية، وتُستخدم منذ عقود كأداة لإخضاع الفلسطينيين وتجريم مقاومتهم. فحين تصبح المحكمة العسكرية، التابعة مباشرة لمنظومة الاحتلال، صاحبة القرار في الحياة والموت، فإننا لا نكون أمام «عدالة»، بل أمام ماكينة استعمارية ترتدي ثوب القانون.
لقد كشفت التعديلات العسكرية الأخيرة التي وقّعها قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، أن الكيان أراد تجاوز حتى التعقيدات القانونية الشكلية، لتجعل من الإعدام إجراءً طبيعيًا داخل الضفة الغربية المحتلة. فالقانون الجديد يفرض الإعدام بوصفه «العقوبة الأساسية» بحق الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل صهاينة، مع ترك هامش ضيق جدًا للاستثناء. وهنا تظهر الطبيعة العنصرية الفجّة لهذا التشريع؛ إذ إنه لا يُطبّق على الصهاينة الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين، رغم آلاف المجازر والاغتيالات والإعدامات الميدانية التي وثقتها المؤسسات الحقوقية الدولية. إننا أمام قانون يقوم على التمييز العرقي الصريح، ويعيد إنتاج فلسفة «الإنسان الأعلى» و»الإنسان المستباح»، حيث يصبح الفلسطيني مشروع متهم دائم، بينما يُمنح المستوطن حصانة شبه مطلقة.
في العمق، لا يستهدف هذا القانون الأسرى وحدهم، بل يستهدف الرواية الفلسطينية ذاتها. فالاحتلال يدرك أن الأسير الفلسطيني ليس مجرد فرد معتقل، بل رمز سياسي ووطني وإنساني حاضر في الوعي الجمعي الفلسطيني. ولذلك، فإن محاولة إدخال الإعدام إلى منظومة الاعتقال تعني محاولة كسر هذه الرمزية وتحويل السجن من أداة قمع إلى فضاء للإبادة القانونية.
لكن ما يجعل المشهد أكثر خطورة هو الصمت الدولي المريب. فالعالم الذي يتحدث ليل نهار عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، يقف عاجزًا – أو متواطئًا – أمام تشريع يشرعن القتل على أساس الهوية القومية. وحتى المؤسسات الدولية التي عبّرت عن قلقها، ما تزال تتعامل مع الأمر بلغة دبلوماسية باردة لا ترتقي إلى مستوى الجريمة.
إن إدخال عقوبة الإعدام إلى المحاكم العسكرية في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن السياق الأشمل لحرب الإبادة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، سواء في غزة أو القدس أو الضفة. فالكيان الصهيوني لا يريد فقط السيطرة على الأرض، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الفلسطيني باعتباره «كائنًا فائضًا عن الحياة»، يمكن قتله بالقصف أو التجويع أو السجن أو حتى بالحكم القضائي.
وربما يكون الأخطر من القانون نفسه هو ما يرمز إليه سياسيًا وأخلاقيًا: انتقال الكيان الصهيوني من مرحلة إنكار الطابع الاستعماري لنظامها إلى مرحلة المجاهرة به دون خوف من المحاسبة. وهذا التحول ما كان ليحدث لولا الحصانة الدولية التي وفّرتها القوى الكبرى للاحتلال، والتي جعلت من القانون الدولي مجرد نصوص عاجزة أمام فائض القوة الصهيونية.
في النهاية، فإن مواجهة هذا القانون لا تكون فقط عبر البيانات والإدانات، بل عبر بناء جبهة فلسطينية ودولية حقوقية وسياسية وإعلامية قادرة على فضح هذا النظام أمام العالم، وتحويل قضية الأسرى من ملف إنساني إلى معركة عالمية ضد الاستعمار والعنصرية والقتل المقنّن.فالإعدام هنا ليس عقوبة..بل مشروع سياسي كامل لتصفية الفلسطيني، حتى وهو خلف القضبان.





