في عام 1965 اعتقل الكيان محمود بكر حجازى ليكون أول أسير فلسطيني في سياق الصراع الحديث، وبعد عامين وعقب هزيمة 1967 اعتقلت فاطمة برناوي لتكون أول أسيرة فلسطينية في السجون الصهيونية ومنذ هذين التاريخين أصبح الاعتقال سياسة ثابتة ومنهجية الكيان الصهيوني، حتى وصل اليوم نحو مليون حالة اعتقال على مدى 60 عاما، شملت اعتقالات قصيرة تمتد لأيام أو أسابيع، واعتقالات طويلة الأمد لسنوات، واعتقالات إدارية دون تهمة أو محاكمة، وأحكام بالمؤبد، وذلك وفقا لإحصاءات نادى الأسير الفلسطيني وهيئة شؤون الأسرى والمحررين.
هذا الرقم جاء في كتاب «العائدون من الجحيم..شهادات الأسرى العائدين من السجون الصهيونية» للكاتب الصحفي حسام السويفي والصادر عن دار «كنوز» منذ أيام.
الكتاب كما يقول مؤلفه «وثيقة إدانة تكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الصهيوني وأفعاله غير الإنسانية التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وفقًا لاتفاقية جنيف». خاض حسام هذا الملف المهم أملا منه في توثيق البطولات الفلسطينية والجرائم الهصيونية لتكون أمامنا وأمام الأجيال القادمة، وعلى مدى شهور طارد المعلومات من خلال لقائه وحواراته مع عدد كبير من الأسرى المحررين، ومستعينا بمعلومات المؤسسات الفلسطينية المعنية بملف الأسرى مثل هيئة شئون الأسرى المحررين ونادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان ومركز المعلومات الوطني الفلسطيني، وأيضًا بتقارير عدد من المنظمات الدولية التي تابعت هذا الملف.
ومن خلال هذه التقارير تم توثيق الجرائم المرتكبة بحق الأسرى بداية من التعذيب الممنهج والإهمال الطبي والعزل الانفرادي، والاكتظاظ في زنازين بلا تهوية، والنور الذي لا ينطفئ بها لأيام، والظلام الدائم في أيام أخرى، وترك الأمراض المزمنة بلا علاج، وإهمال الإصابات عمدًا، وترك المعتقلين فريسة للألم حتى الموت، حتى أن كثيرًا من الأسرى وصفوا هذه السجون بأنها «مقابر للأحياء وأنها أبشع من سجون جوانتانامو أبو غريب».
يكشف الكتاب أن حركة الأسرى مرّت بخمسة منعطفات، الأول من 1965 إلى 1975، وفيها كان الاعتقال فرديا وخلاله واجه الأسرى سياسات قمعية قاسية شملت التعذيب والعزل وعدم الاعتراف بهم كأسرى سياسيين، وفي هذه المرحلة كان الأسير يترك لمصيره دون أدوات جماعية للمقاومة أو الحد الأدنى للدفاع عنه، المنعطف الثاني من 1975 إلى 1991، وخلاله ظهرت الحركة الأسيرة المنظمة، وبدأ تشكيل الأطر التنظيمية واللجان القيادية داخل السجون، وتحولت الزنازين إلى ساحات نضال جماعي لانتزاع الحقوق، وخاض المعتقلون معارك مستخدمين عدة أسلحة أهمها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، والتي أسست وعيا ورسّخت مفهوم الأسير المناضل، المنعطف الثالث من 1991 إلى 2000، وكانت مرحلة ازدهار في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث بلغت التنظيمات داخل السجون ذروة قوتها وانضباطها، وتوسّعت المكتسبات المعيشية والثقافية والتعليمية، ونجح الأسرى في فرض توازن نسبي مع إدارة السجون، واستطاعوا تحويل المعتقل إلى فضاء مقاومة منظم لا مجرد مكان للاحتجاز، المنعطف الرابع من 2000 إلى 2023 وجاء في سياق الانتفاضة الثانية، وما تلاها لتشهد السجون تراجعا قسريا في المكتسبات. وانتهج الاحتلال سياسات انتقامية ممنهجة بغرض تفكيك البُنى التنظيمية، ما أعاد الحركة إلى مربع المواجهة المفتوحة دفاعا عن الحقوق الأساسية، المنعطف الخامس منذ 2023 وحتى الآن وهو الأخطر، ويمكن وصفه بطوفان السجون حيث شن الاحتلال هجوما واسعا على الأسرى مستهدفا وجودهم الإنساني والتنظيمي معا عبر سياسات الإذلال والتجويع والعزل، غير أن هذه الجرائم أعادت التأكيد على أن السجون أحد أكثر ميادين المقاومة اشتعالا.
ويكشف حسام من خلال شهادات الأسرى وتقارير الهيئات المعنية بالملف، أن السجون الصهيونية منظومة متكاملة لنزع الإنسانية، حيث يبدأ التعامل مع الأسير منذ اللحظة الأولى لاعتقاله بوصفه خطرًا يجب تحطيمه ومحو هويته، ولكن رغم القسوة المفرطة فإن الاحتلال فشل في كسر روح المقاومة، ويظهر ذلك من خلال كلمات الأسرى المحررين وحواراتهم، وبعضهم قضوا ما لا يقل عن 23 عاما في الحد الأدنى، و40 عاما في الحد الأقصى داخل سجون الاحتلال، ومع ذلك خرجوا أكثر صلابة ووعيا وإيمانا بالحرية وبوطنهم، لذا جاءت كلماتهم بمثابة رسائل للعالم «لن نتخلى عن وطننا مهما كان الثمن».
وتشير الإحصاءات الواردة بالكتاب، أن الأطفال والنساء من أكثر الفئات تضررا من سياسة الاعتقال، فقد تم اعتقال 60 ألف طفل فلسطيني و20 ألف فلسطينية منذ عام 1965 وحتى 2025، ووثقت المؤسسات الحقوقية حالات اعتقال لأطفال دون سن 12 عاما واعتقال نساء حوامل وولادات داخل السجون دون إشراف طبي».
ويكشف حسام أنّ أحداث 7 أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحول حادة في سياسة الاعتقال، حيث تمّ تسجيل وجود 19 ألف أسير بينهم 53 أسيرة و450 طفلا و3600 معتقل إداري، ومع الهدنة وصفقات التبادل انخفض العدد تدريجيا إلى 9300 أسير، ولكن خلف هذه الأرقام تختبئ مأساة إنسانية، إذ حصد مرض الجرب أرواح 75 فلسطينيا، كما أصيب 700 أسير بأورام خطيرة ويعاني 200 أسير من أمراض مزمنة.
الأرقام تكشف عن وحشية الاحتلال، وأن لديه منظومة لإذلال المحبوسين تتضمن 13 آلية للتعذيب مثل وضع كيس أسود على الوجه لأيام والإجبار على الوقوف أو الجلوس في أوضاع لا تحتمل لساعات طويلة وتكبيل اليدين إلى الخلف والإجبار على الجلوس على كرسي صغير للغاية وارتفاعه لا يسمح بالاستقرار مع عدم إمكانية تغيير الوضعية، ما يجعل الجسد يتحول إلى كتلة من الألم ويدمر المفاصل ويكسر العمود الفقرىو ويترك آثارا ترافق الأسير لسنوات طويلة حتى بعد تحرره، بجانب الحرمان من النوم لأيام متواصلة بهدف وضع الأسير على حافة الانهيار، بالإضافة إلى الضرب والصفع والركل والخنق والحرق بأعقاب السجائر والصدمات الكهربائية والاغتصاب وتحويل الزنزانات إلى ما يشبه القبور.
الكتاب مليء بالمعلومات المهمة وتعجز المساحة عن الإلمام بها كلها، خاصة أنه يضم حوارات مهمة وكاشفة لما حدث لعدد كبير من الأسرى المحررين، كما أن به جهد توثيقي كبير، من المؤكد أننا سنحتاجه يوما ما عندما نحاكم الكيان الصهيوني على جرائمه التي لا تسقط بالتقادم.





