تزايـد اهتمـام المتعاملــين السياحيّــين مـــن دول إفريقيـة وآسيويـة بالجزائــر
أكّد خبراء وأكاديميّون وفاعلون في قطاع السياحة، أنّ الجزائر تمتلك مؤهّلات طبيعية وثقافية وتاريخية استثنائية تؤهّلها لتصبح من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة والمتوسط وإفريقيا، مشدّدين على ضرورة الانتقال من “التعريف بالمؤهّلات” إلى صناعة “منتج سياحي متكامل” قائم على الجودة والتجربة والتسويق الاحترافي.
زهراء. ب
توقّف مختصّون وأساتذة جامعيون ومسؤولون ومهنيون في قطاع السياحة، خلال نقاش نظّم على هامش الصالون الدولي للسياحة والأسفار في طبعته 25، عند واقع السياحة الجزائرية وآفاق تطويرها، وأبرزوا التحديات التي تواجهها في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على استقطاب السياح.وفي هذا السياق، أكّد الخبير في السياحة والأستاذ الجامعي، خالد كواش، أنّ الجزائر “وجهة سياحية بامتياز”، بالنظر إلى ما تزخر به من تنوع طبيعي ومناخي وثقافي، يشمل الشواطئ، الصّحراء، الجبال، التراث التاريخي، السياحة الحموية، الثقافية والدينية، موضّحا أنّ المرحلة الحالية تفرض الانتقال من الحديث التقليدي عن الإمكانات إلى العمل على “خلق المنتج السياحي” الذي يبحث عنه السائح العصري، وقال إنّ “السائح اليوم لا يبحث فقط عن مشاهدة المناظر الطبيعية، بل عن تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الراحة، الجودة، التنوّع وحسن الاستقبال”.وأضاف كواش أنّ الجزائر بحاجة إلى استراتيجية سياحية واضحة قريبة وبعيدة المدى، ترتكز على تطوير السياحة الداخلية أولا، ثم التوجه بقوة نحو الأسواق الخارجية، مشيرا إلى أنّ آلاف الجزائريّين يتوجّهون سنويا إلى دول مجاورة للاستفادة من خدمات سياحية بسيطة، بالرغم من الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها الجزائر.وأشار المتحدث إلى أنّ القطاع السياحي يعد من القطاعات الاقتصادية الحيوية القادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل وجلب العملة الصعبة، موضّحا أنّ السياحة تعتمد أساسا على المورد البشري، لأنّ “الإنتاج والاستهلاك في السياحة يتمان في الوقت نفسه، من خلال العلاقة المباشرة بين مقدم الخدمة والسائح”.
الصّحراء الجزائرية.. الورقة الرابحة
في حديثه عن أبرز المنتجات السياحية التي يمكن للجزائر تسويقها دوليا، أكّد خالد كواش أنّ السياحة الصّحراوية تمثل واحدة من أهم نقاط القوة التي تمتلكها الجزائر، موضّحا أنّ الجزائر تتميّز بتنوع مناخي وطبيعي يسمح للسائح باكتشاف البحر، الجبال، الثلوج والصّحراء في رحلة واحدة، وهو ما يمنحها أفضلية مقارنة بعديد الوجهات الأخرى.وأشار إلى أنّ بعض الدول تلجأ إلى خلق أنشطة سياحية “اصطناعية” لتعويض نقص الموارد الطبيعية، بينما تمتلك الجزائر ثروة طبيعية حقيقية تسمح بإعداد برامج سياحية متنوعة ومتكاملة على مدار السنة.وأضاف أنّ إعداد برامج سياحية متجدّدة ومتنوعة يساهم في رفع عدد الليالي السياحية وزيادة العائدات الاقتصادية، مؤكّدا أنّ السائح العصري يرفض التكرار ويبحث دائما عن تجارب جديدة.
التسويق الرقمي.. مفتاح تغيير صورة الجزائر
من جهتها، أكّدت ممثلة الديوان الوطني للسياحة، نعيمة حجام، أنّ الجزائر مطالبة اليوم بتغيير طريقة الترويج للوجهة السياحية الجزائرية، عبر اعتماد تسويق احترافي يعتمد على الرقمنة وصناعة المحتوى السياحي، مشيرة إلى أنّ جائحة كورونا أثبتت أهمية التسويق الرقمي في تغيير الصورة النمطية عن الجزائر، حيث ساهم الحضور الرقمي والمحتوى الإلكتروني في جعل الوجهة الجزائرية أكثر جاذبية بالنسبة للسياح الأجانب.وقالت إنّ “الحديث عن السياحة لا يجب أن يقتصر على المناسبات والمعارض فقط، بل يجب أن يكون هناك عمل متواصل طيلة السنة”، مؤكّدة أنّ السائح الحديث يبحث عن التجربة السياحية المتكاملة وليس فقط عن زيارة مكان معين.وأضافت أنّ الترويج للوجهة الجزائرية يجب أن يكون أكثر كثافة واحترافية، مع ضرورة التحضير الجيد للمشاركة في الصالونات الدولية قبل أشهر من تنظيمها، حتى تتحول هذه المشاركات إلى فضاءات لعقد الشراكات والاتفاقيات وليس مجرّد حضور بروتوكولي.كما كشفت عن تزايد اهتمام المتعاملين السياحيّين الأجانب بالجزائر، خاصة من دول إفريقية وآسيوية مثل غانا، رواندا، جنوب إفريقيا، فيتنام وباكستان، معتبرة أنّ هذا الاهتمام يعكس تحسّن صورة الجزائر كوجهة سياحية جديدة ومثيرة للفضول.
بناء علامة سياحية جزائرية موحّدة
من جانبها، أكّدت المختصة في الملكية الفكرية نادية بوجملين، أنّ الجزائر تمتلك كل عناصر بناء “علامة سياحية وطنية” تعكس الهوية الجزائرية بمختلف أبعادها الثقافية والحضارية، موضّحة أنّ السياحة الحديثة لم تعد تقتصر على الطبيعة أو الآثار فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالهوية الثقافية، الصناعات التقليدية، المطبخ الجزائري، اللباس التقليدي، التراث غير المادي، الموسيقى والفنون.وأضافت بوجملين أنّ هذه العناصر تشكّل أساس “العلامة السياحية الجزائرية” التي يجب أن تكون مميّزة وقابلة للحماية والتسويق دوليا، مشدّدة على أهمية حماية هذه الهوية عبر تسجيل العلامات التجارية والمؤشّرات الجغرافية، والاعتماد على قوانين الملكية الفكرية لحماية المنتجات التراثية من التقليد أو الاستغلال غير المشروع.وأشارت إلى أنّ الجزائر تمتلك ترسانة قانونية مهمة تسمح بحماية العلامات التجارية، حقوق المؤلف، والمؤشّرات الجغرافية الخاصة بالمنتجات التقليدية، مثل زرابي غرداية وخنشلة، الحلي التقليدي، والتمور الجزائرية.
الاستثمار السّياحي.. البحث عن “التجربة”
في محور الاستثمار، أكّد المتدخّل زين الدين بوجلوة، أنّ المستثمر السياحي لم يعد يبحث فقط عن وعاء عقاري لإنجاز فندق، بل عن “تجربة استثمارية متكاملة” تتوفر فيها عناصر الجاذبية، والخدمات، والبنية التحتية، والتسويق، موضّحا أنّ الاستثمار السياحي اليوم مرتبط بمعايير عالمية، وأنّ المستثمر يبحث عن بيئة سياحية متكاملة تضمن له الاستمرارية والربحية.وأشار إلى أنّ الجزائر تملك مقوّمات كبيرة لجذب المستثمرين، لكنها مطالبة أكثر بتطوير الخدمات وتحسين البيئة السياحية بشكل عام.
التكوين والموارد البشرية.. الحلقة الأهم
من جهته، أكّد عميد المدرسة العليا للفندقة والإطعام البروفيسور لزهر شين، أنّ نجاح أي وجهة سياحية لا يقاس فقط بعدد الفنادق والاستثمارات، بل بجودة الخدمات وكفاءة المورد البشري، موضّحا أنّ المدرسة تعمل على توفير تكوين أكاديمي ومهني في مجالات الفندقة والإطعام والتسيير السياحي، إضافة إلى التكوين المستمر لفائدة العاملين في القطاع.وتحدث عن وجود اتفاقيات بين المدرسة والمؤسّسات الفندقية، من أجل تمكين الطلبة والمتربّصين من اكتساب الخبرة الميدانية وتحسين مهاراتهم المهنية، مضيفا أنّ الاستثمار الفندقي يقوم على ثلاثة عناصر أساسية وهي البنية والتمويل، المورد البشري الكفء، والتسيير المحكم، مؤكّدا أنّ أي فندق بدون مورد بشري مؤهّل “يبقى مجرّد بناية بلا روح”.كما شدّد على أهمية مواكبة التحوّلات الرقمية الجديدة، خاصة في مجالات التسويق الإلكتروني وصناعة المحتوى السياحي، باعتبارها أدوات أساسية في المنافسة السياحية الحديثة.





