تعليمــات صارمــة لتسريـــع استغـلال الفوسفــات وتطويـر صناعـة الأسمـــدة
اقتصـاد ســيادي مستقـــل عن المحروقات.. رؤى متبـصرة وقــــرارات حكيمـــة
الربـــط بــين المـوارد المنجميــــة والطاقويــة وتطويـر الصناعــــات المحلية..
احتياطـات عالمـية مـــن الفوســفات وقــدرة تنافسـية إقليميـــة ودوليــة
أسدى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال رئاسته لاجتماع وزاري مصغر، أول أمس الأحد، تعليمات صارمة بضرورة تسريع إنتاج الفوسفات والبدء في استغلاله الفعلي في أقرب الآجال، كما شدد على التوجه نحو تثمين الموارد الخام لإنتاج الأسمدة الفوسفورية والآزوتية، والتوجه نحو تصدير المواد الخام في شكلها المصنع، لما تكتسي من أهمية مضاعفة، وقيمة مضافة، في ظل التطورات التي تعرفها السوق الدولية، وارتفاع الطلب على الأسمدة، كمورد أساسي لتحقيق الأمن الغذائي.
أوضح الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، أن الجزائر تشهد خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية عميقة تعكس إرادة واضحة للانتقال من نموذج ريعي يعتمد أساسا على تصدير المواد الأولية، إلى نموذج أكثر تنوعا يرتكز على التصنيع والتحويل المحلي وتعزيز القيمة المضافة. موضحا في هذا الإطار، أن الاجتماع الوزاري المصغر الأخير الذي ترأسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يوم الأحد، لمتابعة المشاريع المهيكلة في قطاعات المحروقات والمناجم والبنى التحتية يكتسي أهمية خاصة، باعتباره يؤشر على مرحلة جديدة في مسار إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.
الأمونــيا واليوريــا.. مزايا تنافسيــة
وسجل هباش أن الهدف اليوم، لم يعد يقتصر على استخراج الموارد الطبيعية وتسويقها في شكلها الخام، بعد الرهان على إدماجها ضمن سلاسل إنتاج متكاملة بشكل يساهم في خلق الثروة، وفرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الجزائري على المستويين الإقليمي والدولي، وهنا – يقول هباش – يبرز قطاع الأسمدة كأحد أهم الرهانات الاقتصادية الواعدة ضمن هذا التوجه الجديد، فالجزائر – يقول محدثنا – تمتلك واحدا من أكبر الاحتياطات العالمية من الفوسفات، إلى جانب توفرها على الغاز الطبيعي الذي يعد المادة الأساسية في إنتاج الأمونياك واليوريا، وهي معطيات، يرى محدثنا أنها تمنح البلاد مزايا تنافسية حقيقية على مستوى سوق عالمية تشهد ارتفاعا مستمرا في الطلب على الأسمدة بفعل النمو الديمغرافي العالمي وتزايد الحاجة إلى الأمن الغذائي.
وفي السباق ذاته، أشار هباش إلى أن مشاريع إنتاج الأسمدة الفوسفورية والأزوتية تكتسب أهمية مضاعفة في ظل التطورات التي تعرفها الأسواق الدولية، حيث شهدت أسعار الأسمدة، خلال السنوات الأخيرة، مستويات قياسية نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة واختلال سلاسل الإمداد العالمية، وفي هذا السياق، يؤكد هباش أن الجزائر في خضم تحول استراتيجي وجذري، من مجرد مصدر للمواد الأولية إلى فاعل مؤثر في صناعة عالمية استراتيجية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي الدولي.
اللوجيستيك.. تأشيرة للأسواق العالمية
بالمقابل، شدد هباش على أن نجاح المشاريع الكبرى لا يرتبط بالإنتاج الصناعي وحده، فهو يعتمد على فعالية المنظومة اللوجستية والبنية التحتية المرافقة لها، وهنا، تبرز أهمية توسعة ميناء عنابة الذي سيسمح بتسهيل عمليات التصدير وتقليص التكاليف اللوجستية، وهي عوامل تشكل أحد المحددات الأساسية للقدرة التنافسية في الأسواق العالمية.وفي السياق ذاته، أفاد هباش أن قطاع المناجم يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية التنويع الاقتصادي، فإلى جانب الفوسفات، تزخر الجزائر بثروات معدنية كبيرة ما تزال نسبة معتبرة منها غير مستغلة بالشكل الأمثل، وأضاف أن تطوير النشاط المنجمي سيتيح فرصا واسعة لإقامة صناعات تحويلية مرتبطة بالحديد والصلب والمواد الكيميائية والصناعات المعدنية المختلفة، بما يساهم في رفع القيمة المضافة الوطنية وتقليص التبعية للواردات.
المواد الخام وسلاسل القيمة
ومن جهة أخرى، سجل هباش أنه لا يمكن الحديث عن اقتصاد تنافسي دون منظومة صناعة تحويلية حقيقية، مستدلا بالتجارب الاقتصادية الناجحة في العالم التي أكدت جميعها أن الثروة الحقيقية لا تتحقق من امتلاك الموارد الطبيعية وحدها، إنما تتحقق بالقدرة على تحويلها محليا وإدماجها ضمن سلاسل إنتاج وصناعة متطورة. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الجزائر اليوم من خلال الربط بين استغلال الموارد المنجمية والطاقوية، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز البنية التحتية اللوجستية.إن الرؤية التي تعكسها المشاريع المهيكلة الجاري تنفيذها – يقول هباش – تقوم على ثلاث ركائز أساسية: تثمين الموارد الطبيعية، لخصها في التصنيع، وخفض تكاليف الاقتصاد الوطني من خلال تطوير البنى التحتية والنقل، والانفتاح على الأسواق الإفريقية والعالمية عبر تعزيز الربط اللوجستي والتجاري، وهي مقاربة من شأنها أن تساهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة التقلبات الدولية، وأن تضع الجزائر تدريجيا على مسار اقتصاد القيمة المضافة بدل اقتصاد تصدير المواد الخام، فبينما يواجه العالم تحولات عميقة في أسواق الطاقة والغذاء والمعادن الاستراتيجية، – يقول هباش – تمتلك الجزائر فرصة حقيقية لترسيخ مكانتها ضمن سلاسل القيمة العالمية من خلال تحويل مواردها محليا وتطوير صناعات تنافسية، مؤكدا أن تواصل تنفيذ هذه المشاريع وفق رؤية متكاملة، سيمكن الجزائر من بناء اقتصاد أكثر تنوعا وابتكارا، قائم على خلق القيمة المضافة وليس على تصدير المواد الخام.





