تمنراسـت 2028.. ثـورة فــي قطــاع النقــل توســع آفــاق الاقتصـاد المحلــي
منظومـة النقــل السككــي.. خفــض الأسعــار وحمايــة القــــدرة الشرائيــــة
خــط سريع للقطـارات سيقلـص المسافات الزمنيــة ويحســّن راحـة المسافريــن
أعطى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الضوء الأخضر لبداية تجسيد مشروع القرن، مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست، بداية من شهر سبتمبر على أقصى تقدير، على أن يدخل حيز الخدمة نهاية سنة 2028، باعتباره أحد أهم المشاريع الكبرى التي تراهن عليها الدولة لتعزيز الربط بين الشمال والجنوب.
ويأتي اجتماع الرئيس المخصص لعرض ومتابعة المشاريع المهيكلة في قطاع المحروقات، بحضور كل من الوزير الأول سيفي غريب، إبراهيم مراد، وزير الدولة مكلف بالمفتشية العامة لمصالح الدولة والجماعات المحلية، محمد عرقاب، وزير الدولة وزير المحروقات، عبد الكريم بو الزرد، وزير المالية، محمد لمين لبو، محافظ بنك الجزائر، نور الدين داودي، الرئيس المدير العام لشركة سوناطراك، في سياق وطني يتسم بتسريع وتيرة إنجاز المشاريع القاعدية الكبرى، وتوسيع شبكة البنية التحتية بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
وقد شكل هذا المشروع محور اهتمام خاص بالنظر إلى امتداده الجغرافي الكبير وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، حيث سيمكن عند إنجازه من ربط مناطق شاسعة تمتد من الشمال إلى أقصى الجنوب، عبر مسار يمر بعدة ولايات ذات أهمية استراتيجية، كما يعكس المشروع توجها واضحا نحو فك العزلة عن المناطق الصحراوية، وتعزيز ديناميكية التنمية المحلية، وتسهيل نقل الأشخاص والبضائع في ظروف أكثر كفاءة وأمانا.
وفي هذا السياق، قدم الخبير الاقتصادي عبد الصمد سعودي قراءة شاملة في المشروع، تناول فيها أبعاده الاقتصادية، دلالات توقيت انطلاقه، انعكاساته على الاستثمار والنقل، إضافة إلى جاهزية الدولة لإنجازه عبر المؤسسات الوطنية والشراكات التقنية، مؤكدا أن المشروع يمثل تحولا نوعيا في منظومة النقل والتنمية في الجزائر. خط السكة الحديدية الجزائر-تمنراست.
شريان اقتصادي جديد
أكد الخبير الاقتصادي، عبد الصمد سعودي، أن مشروع خط السكة الحديدية بين الجزائر العاصمة وتمنراست يعد من المشاريع الاستراتيجية التي سبق أن التزم بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وذلك بتمكين المواطنين مستقبلا من التنقل عبر القطار من الجزائر إلى تمنراست.
وأوضح سعودي في تصريح لـ«الشعب”، أن لهذا المشروع دلالات اقتصادية كبيرة، أولها تحسين نقل المسافرين وفك العزلة عن العديد من المناطق الصحراوية، إضافة إلى دوره في تعزيز التنمية الاقتصادية بالمناطق الجنوبية، وأضاف أن العديد من الولايات التي سيعبرها الخط، على غرار عين صالح وغيرها من ولايات الجنوب، تعرف نشاطا اقتصاديا متزايدا، خاصة في المجال الفلاحي، حيث أصبح الإنتاج الفلاحي في الصحراء حاضرا بقوة.
وهي هذا الإطار، أبرز محدثنا أن السكك الحديدية أفضل وسيلة لنقل السلع والبضائع بكميات كبيرة وبتكاليف أقل مقارنة بوسائل النقل الأخرى، معتبرا أن المشروع يمثل شريانا للحياة، يربط الجزائر العميقة بالعاصمة ويعزز الحركية الاقتصادية عبر الوطن.
توقيت الانطلاق
فيما يتعلق بدلالات اختيار هذا التوقيت، بداية للأشغال خلال سبتمبر المقبل، أوضح الخبير الاقتصادي أن الجزائر تمتلك العديد من المشاريع الهيكلية الكبرى بحكم اتساع مساحتها، مشيرا إلى أن البلاد واجهت قبل عام 2019 بعض الصعوبات الاقتصادية التي فرضت تأجيل عدد من المشاريع إلى حين توفر الإمكانات المالية، وأضاف أن الدولة ركزت – خلال الفترة الماضية – على مشاريع ذات أولوية، مثل مشروع غارا جبيلات ومشروع بلاد الحدبة بولاية تبسة ومشاريع استراتيجية أخرى، بالنظر إلى كلفتها الضخمة وحاجتها إلى تمويلات معتبرة.
وأكد محدثنا أن إطلاق مشروع السكة الحديدية الجزائر-تمنراست في هذا التوقيت، يعكس تحسن القدرات التمويلية للدولة، إلى جانب توفر الشروط التقنية واللوجستية اللازمة لإنجاز مشاريع كبرى في مناطق صحراوية معقدة من حيث التضاريس والمسافات، وأشار إلى أن إعطاء الأولوية لخط بشار-تندوف جاء باعتباره مشروعا استراتيجيا مرتبطا باستغلال منجم غارا جبيلات، على أن يتم لاحقا التوجه نحو مشروع الجزائر-تمنراست بعد استكماله وتوفير الإمكانات المناسبة.
المشاريع الكبرى.. تراكم خبرة
وبخصوص الجاهزية للمشاريع الكبرى، أكد سعودي أن الجزائر أظهرت خلال السنوات الأخيرة قدرة متزايدة على إطلاق وإنجاز المشاريع المهيكلة في مختلف القطاعات، وأوضح أن العديد من المشاريع الاستراتيجية تم تجسيدها منذ تولي رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون مهامه، خاصة في قطاعات الفلاحة، المناجم، الطرقات والأشغال العمومية، وهو ما يعكس وجود إرادة سياسية قوية وقدرات تنظيمية وتمويلية معتبرة، وأضاف أن قطاع السكك الحديدية يمثل نموذجا بارزا، حيث تم إنجاز خطوط حديثة وفق معايير عالمية وفي آجال قياسية، ما حظي بإشادة هيئات دولية متخصصة، وهو ما يعزز ثقة الدولة في قدرتها على إنجاز خط الجزائر-تمنراست بنفس المستوى من الجودة.
المكاسب المنتظرة
بخصوص المكاسب الاقتصادية، أوضح سعودي أن جزءا كبيرا من الشبكة – إلى غاية ورقلة – متوفر، بينما تتركز الأشغال على المقطع الرابط بين ورقلة وتمنراست، مشيرا إلى أن اعتماد خط سريع للقطارات سيسمح بتقليص المسافات الزمنية وتحسين راحة المسافرين، إضافة إلى تسهيل التنقل بين الجنوب والعاصمة وباقي الولايات، وأبرز – في السياق – أن المكاسب تتمثل في فك العزلة عن الجنوب، وخفض تكاليف نقل السلع التي كانت تعتمد على الشاحنات لفترات قد تصل إلى 48 ساعة، ما يرفع أسعار المنتجات ويؤثر على القدرة الشرائية، وسجل أن السكك الحديدية ستسمح بتقليص تكاليف النقل، وتحسين حركة البضائع والأشخاص في آن واحد، إلى جانب تقليل حوادث المرور وتخفيف الضغط على الطرقات الوطنية، كما أبرز البعد الاجتماعي للمشروع، من خلال تحسين ظروف السفر عبر عربات مجهزة للرحلات الطويلة والنقل الليلي، بما يعزز الراحة والسلامة.
رافعة للاستثمار
وفي الشق الاستثماري، أوضح سعودي أن النظام الجبائي في الولايات الجنوبية يوفر إعفاءات وتخفيفات ضريبية تشكل حافزا مهما لجذب الاستثمارات، وأضاف أن ربط هذه الامتيازات بتوفر بنية نقل حديثة عبر السكك الحديدية سيخلق بيئة اقتصادية جاذبة للمستثمرين، ويقلص أحد أهم العوائق السابقة المرتبطة بتكاليف النقل، مشيرا إلى إمكانية توجه شركات كبرى لإنشاء فروع لها في الجنوب أو نقل جزء من نشاطها إليه، خاصة مع توفر يد عاملة بتكلفة أقل ووجود طلب محلي متنامٍ.وفي السياق ذاته، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة مسيلة على أن هذا الجمع بين الإعفاءات الضريبية والبنية التحتية وفرص السوق، سيحول الجنوب الجزائري تدريجيا إلى قطب اقتصادي حيوي ومساهم قوي في الاقتصاد الوطني.
وبخصوص تنفيذ المشروع، أوضح سعودي أن توزيع الأشغال على عدة مؤسسات وطنية مع إمكانية إشراك شركاء دوليين يعد خيارا عمليا لتسريع الإنجاز، وأضاف أن تقسيم المشروع إلى ورشات متعددة يسمح بتقدم متزامن في عدة مقاطع، ما يقلص الآجال الزمنية ويعزز التنسيق بين المتدخلين، ليؤكد أن المشاريع الكبرى في المناطق الصحراوية تتطلب تعبئة كبيرة للموارد البشرية والتقنية، ما يجعل هذا النموذج في التنفيذ أكثر فعالية.وخلص محدثنا إلى التأكيد على أن تعدد المتدخلين مع التنسيق المركزي، يمثل عاملا حاسما في إنجاح مشروع السكة الحديدية الجزائر-تمنراست في الآجال المحددة وبأعلى المعايير.




