تحويـل الحـدود الدوليـة إلـى فضاءات حضاريــة واقتصاديـة متكاملـة
أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بشار، عبد السلام مخلوفي، أن المناطق الحدودية وفق الرؤية الجزائرية الحديثة هي فضاء حضاري، وثقافي، واقتصادي متكامل، وليست مجرد خطوط ترسمها الممرات الحدودية، وهو ما يميزها عن الكثير من المقاربات الإفريقية والعربية، بل تعامل الحدود كجسور وصل، وليس حواجز فصل.
تتعامل الجزائر مع الحدود في الجنوب الكبير، حسب أستاذ الاقتصاد عبد السلام مخلوفي من جامعة بشار، “كنسيج ثقافي، مع مالي والنيجر وموريتانيا، ولا تعتبرها خطوطا وتقاطعات جغرافية فحسب، بل فضاءات تعبرها لغات ولهجات منصهرة، وروافد دينية وطرق صوفية، على غرار القادرية والتيجانية، المتواجدة في العديد من دول إفريقيا، وأيضًا في الجزائر، في عين ماضي والأغواط، وكثير من المناطق الأخرى، وعادات بدوية متقاربة”.
وقال مخلوفي في مداخلة ألقاها خلال أشغال الملتقى الوطني حول التجارة البينية الإفريقية ودورها في تنويع الاقتصاد الذي احتضنته مؤخرا جامعة وهران 2، إن “هذه الحدود تشكل مع دول الساحل فضاءات لأسواق شعبية مشتركة، وروابط زواج ومصاهرة بين العائلات الكبرى، وحركة مشتركة للأفكار والقيم، وهذا يجعل المنطقة عقارًا لمجتمع واحد، لا مناطق منفصلة”.
وأكد المتدخل أن “منطقة جغرافية بهذه المواصفات لا يجب أن ينظر إليها بشكل عام، أو التفكير في تخطيط مشاريع تنموية لها بشكل عام، ولهذا، وضعت الجزائر مقاربة ترتكز على أن الحدود كنظام قبلي اجتماعي متشابه، فهناك قبائل مشتركة تعيش على جانبي الحدود، تملك نفوذا وطرقا وتأثيرا معنويا، وقواعد اجتماعية لا يمكن لأي مخطط تنموي تجاهلها”.وقد دفعت كل هذه الأسباب الجزائر إلى اعتماد -حسب مخلوفي -”رؤية تجعل من هذه القبائل شركاء في الدبلوماسية الاجتماعية، وتدمجهم حتى في مشاريع الأمن، والتجارة، وحماية الحدود، إلى جانب الاستعانة بهم في الوساطات الاجتماعية والصلح عبر الحدود، خصوصًا في منطقة الساحل”.
وذكر أستاذ الاقتصاد أن الجزائر تنظر إلى الحدود كفرصة تنموية، وكمنصات استراتيجية لمشاريع كبرى، مثل ميناء الحمدانية، أو الطريق العابر للصحراء، أو سكة الحديد بشار–تندوف – غارا جبيلات – الزويرات، وخط الألياف البصرية إلى موريتانيا ومالي والنيجر، ومنطقة تندوف التجارية الحرة، ومنطقة عين قزام اللوجستية.
وأضاف مخلوفي أن هذه المشاريع ليست فقط اقتصادية، بل هي ربط للمجتمعات المحلية بالاقتصاد الوطني، وخلق للفضاء التكاملي الإفريقي–الإفريقي، وتعزيز للأمن الإقليمي عبر التنمية”.
واعتبر المحاضر أن رؤية الجزائر للحدود كبوابة إفريقيا ليست نقطة تماس، بل إن الفكرة الأساسية في نظرة الجزائر هي أن الحدود ليست نهاية دولة، بل بداية إفريقيا، حيث تقوم مقاربتها على أربعة أبعاد هي البعد الحضاري والثقافي، الذي توظف فيه الروابط المشتركة في بناء الثقة والتكامل، بتحويل المجتمعات الحدودية إلى شريك، البعد الأمني الوقائي، الرامي إلى تحويل المناطق الحدودية من مناطق مراقبة أمنية إلى تحقيق الأمن بالتنمية، وليس تحقيق الأمن بالرقابة الأمنية، كما تطرق مخلوفي إلى البعد الاقتصادي الاستراتيجي، الهادف إلى فتح الحدود من أجل خلق أسواق مشتركة، وتدفق تجاري طبيعي، وأخيرا إلى البعد الاستراتيجي الاقتصادي الذي يجعل فتح الحدود لخلق أسواق مشتركة وتدفق تجاري، وعدم اعتبارها منطقة مراقبة فقط.
الممرات الحدودية بوابات ازدهار الاقتصاد الأفريقي
وفي شأن متصل، أكد أستاذ الاقتصاد مخلوفي عبد السلام أن الممرات الاقتصادية أصبحت في العقود الأخيرة، من أهم الأدوات المعتمدة لتعزيز التكامل الإقليمي وتحفيز التنمية الاقتصادية، لما توفره من إمكانية ربط الأسواق، وتسهيل حركة السلع والخدمات والاستثمارات، كما أنها في السياق الأفريقي تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتحسين الترابط الاقتصادي بين الدول الإفريقية، من أجل رفع مستويات التجارة البينية وتأسيس الاندماج القاري.ويقتصر الممر التجاري التقليدي، حسب تعريف مخلوفي “على توفير مسار للنقل والعبور عبر نقطتين جغرافيتين، يكون هدفه الأساسي تسهيل حركة التجارة ونقل البضائع، فيما يتجاوز الممر الاقتصادي، هذا الدور ليصبح فضاء تنمويا متكاملا يضم شبكات نقل، وبنية تحتية، ومناطق صناعية ولوجستية، ومراكز خدمات، وأسواقا، وحتى مناطق عمرانية، بما يسمح بخلق قيمة مضافة وتنشيط الاستثمار والإنتاج”.
وانطلاقا من هذا التعريف، قدم مخلوفي إشكالية حول كيف تسعى الجزائر إلى تحويل حدودنا الجنوبية من هوامش جغرافية إلى ممرات اقتصادية تساهم في تعزيز التجارة البينية الإفريقية وتنويع الاقتصاد الوطني؟ وهو الطرح الذي يجد تفسيره في أحد أهم التحولات الاستراتيجية الاقتصادية الجزائرية المعاصرة، والمتمثلة في الانتقال من منطق الحدود كخطوط فاصلة إلى اعتبارها بوابات للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
وشدد مخلوفي على وجوب التفريق بين بوابة تجارية وبوابة اقتصادية، وعلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الممرات الاقتصادية في دعم التجارة البينية الإفريقية، وتحقيق التنمية الاقتصادية للولايات الجنوبية، وتعزيز اندماج الجزائر في سلاسل القيمة القادمة.”
هندسة جزائرية لمنطقة تجارية حرة
وأشار مخلوفي إلى انتقال الجزائر من النظر إلى الحدود الإفريقية باعتبارها مناطق مراقبة أمنية إلى اعتبارها فضاءات اقتصادية ومحاور للعمل المشترك وتبادل التجارب، خاصة بعد أن جسدت ميدانيا مجموعة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى على غرار الطريق العابر للصحراء، وتجسيد أنبوب الغاز نيجيريا-الجزائر العابر لأوروبا، وإنشاء مناطق التبادل الحر والمعابر الحدودية، إلى جانب الاهتمام الرسمي بالولايات الجنوبية كبوابة نحو إفريقيا.”
وقال “الجزائر تفعل اليوم منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ومن خلال احتضانها لمعرض التجارة البينية الإفريقية جعلت إفريقيا تكتشف نفسها في الجزائر، كما تبين أن كل الدول الإفريقية لها شركات وأرقام أعمال مع دول أخرى، إلا مع جيرانها”.وأوضح مخلوفي أن الجزائر تعتمد في الاستراتيجية الرامية إلى إنجاح التجارة البينية هندسة أربعة محاور، وهي هندسة اقتصادية تهدف من خلالها الجزائر إلى تحويل الحدود الجنوبية من فضاءات معزولة إلى محاور اقتصادية ارتباطية، وهندسة دبلوماسية دينية توظف فيها الجزائر القوة الناعمة الروحية للطرق المنتشرة من تمنراست إلى النيجر ومالي؛ وهندسة اجتماعية قبلية، وهي من أهم نقاط القوة في الجنوب الجزائري، والتي تقوم على الاعتراف بالدور المحوري للقبائل المشتركة على الحدود، وإشراك الشيوخ والزعماء في القرارات الاستراتيجية، وتحويلهم إلى وسطاء محليين لدعم الأمن والتجارة، واعتمادهم كجسور اجتماعية في قلب التعامل مع الساحل.
وأخيرا -يضيف مخلوفي- هندسة الأمن الاقتصادي، الذي يرتكز على مفهوم الأمن بالتنمية، وليس عبر الجدران، تتمثل في خلق اقتصاد حدودي قانوني، ومنع التهريب من خلال خلق أسواق رسمية، ودعم مشاريع الطاقة والبنية التحتية المشتركة، وربط الأمن بالمشاريع .





