غريب سرّ هذا الزّمن الآليّ، كلّ ما في حياتنا يرتبط بسرمديّة الوقت، ذاك المؤشر الذي يفرحك حينا، ويؤلمك حينا آخر.
منذ ولادتنا الأولى، وتلك الصّرخة التي بدأنا بها الحياة إعلانا منّا عن ارتباطنا بعقارب الوقت، ودخلنا عمر الزّمن؛ لنبدأ بوقت، وننهي أبديّة العمر فينا كذلك بوقت، وما بين قدومنا أبواب الحياة، وعبورنا عبر أبوابها مهمّا تلوّنت الأبواب فذلك مرتبط بوقت.
للولادة وقت، لفرحنا الطّفوليّ وقت، لصبانا وقت، لمخاض الآمال والأمنيات فينا وقت، لميلاد الحبِّ الموهوم بنا وتعلّقنا بالأشياء والأماكن، ووجد الرّوح وعشق الحياة وهي تفتح لنا ذراعيها وحضنها يحنو علينا وقت، لعمر طموحاتنا وبداياتها فينا وقت، لوعينا ونضجنا وإدراكاتنا وقت، ثمّ لجدالنا ولتجدّد فكرنا ومعتقداتنا وعزوفنا عن أشخاصٍ كثيرين وقت، ولسكن المدن فينا وقت، لفرحنا وحزننا وآلامنا وقت، ولميلاد البحر في حكاياتنا، وشروق العمر وهو يغزل من الشّمس عنوان وجودنا وقت.
ولقصصنا التي رويناها ذات شتاءٍ هنا أو هناك، والرّيح العابر فينا بعصفه وقت، وللمطر الذي حمل أسرار فرحنا وهو يدقّ على الشّبابيك وقت، ولأوكيديا الرّبيع ونشيد البلابل وقت، ولصيف الضّجر وسطح الذّكريات المنسيّة وقت، ولغيم أيلول وزهرات تشرين وأوراق شجيرات حقول العمر وهي تتساقط وقت، ولنهاية الفصول على جدراننا، ورحيل الزّمن الأول، وخطى المنتصف ونهايات آخر خطوة من الأزمان فينا وقت.
كلّ منّا يؤمن بمواقيت الأشياء، ولكن يبقى إيماننا الأكثر يقينا أنّ إدراكنا لقيمة البدايات ونضوجنا في المنتصفات، وتغيّرنا في كلّ محطّةٍ، وتجافينا لمن زرع الحزن فينا ذات يومٍ وذات ليالٍ طالت علينا ومحوه من ذاكرتنا لأبد العمر، هو أبديّة الوقت.







