التّخلّــص مــن منطــق «الرّقيـب والمحاســـب» لضمـان راحـــة الممتحـن
يجمع الدارسون لواقع التنشئة الاجتماعية في الجزائر على أن شهادة البكالوريا ليست مجرد محطة تقييمية لعطاء معرفي، بل هي حدث سوسيو-ثقافي بامتياز، يستنفر البنية الأسرية بكامل امتداداتها القرابية، كما تؤكد البروفيسور نعيمة سعدية في حديث مع «الشعب».
تقول البروفيسور نعيمة سعدية «في هذه المرحلة الحساسة، يتحول البيت الجزائري تلقائيا إلى ما يشبه «بؤرة توتر» يسودها الترقب والتوجس، حيث تتماهى طموحات الأولياء مع مصير الأبناء، فتتشكل بذلك ضغوط نفسية مضاعفة، تنعكس بصورة مباشرة على التوازن الانفعالي للممتحن وقدرته على التركيز والتحصيل».
وذكرت البروفيسور سعدية في هذا الصدد، أن الدعم النفسي الحقيقي الذي يحتاجه التلميذ اليوم لا يكمن في الشعارات الرنانة أو الوعود المشروطة بالنجاح، وإنما في وعي الأولياء بخصوصية هذه المرحلة وتغيير أساليب المرافقة والتعامل، فالأبناء لا ينقصهم الزاد المعرفي بقدر ما ينقصهم الإحساس بالأمان الانفعالي والاستقرار النفسي.
ومن هذا المنطلق، تقول «إن أول ما ينبغي على الأولياء إدراكه هو ضرورة الفصل بين القيمة الإنسانية للابن ومعدله الدراسي، لأن اختزال النجاح في الأرقام فقط، يخلق لدى الطالب خوفا دائما من الفشل ومن نظرة المجتمع».
لتضيف «كما أن المقارنات المتكررة بالأقارب أو الجيران تزيد من حدة التوتر وتضعف الثقة بالنفس، في حين أن تحرير الطالب من هذه الضغوط الاجتماعية، يحول القلق السلبي إلى دافعية إيجابية نحو الإنجاز».
وترى البروفيسور سعدية أن الدعم النفسي لا يعني فرض حالة طوارئ صارمة داخل البيت أو تعطيل الحياة اليومية بالكامل، بل المقصود هو توفير مناخ هادئ ومتوازن يسوده التفهم والدعم الصامت «فالإلحاح اليومي بالأسئلة والاستفسارات المتكررة حول المراجعة والنتائج المتوقعة قد يُشعر الطالب وكأنه تحت المراقبة الدائمة، مما يضاعف توتره ويؤثر في تركيزه».
لذلك تقول المتحدثة أن البيئة المنزلية الهادئة، القائمة على الثقة والطمأنينة، تعد من أهم العوامل التي تساعد الممتحن على الاستقرار النفسي والذهني.
وأكّدت أن الإنصات الوجداني يظل من أهم أشكال المرافقة التي يحتاجها الأبناء خلال فترة الامتحانات، لأن الممتحن يكون في أمس الحاجة إلى مساحة آمنة للتعبير عن مخاوفه وقلقه دون التعرض للأحكام أو اللوم المسبق.
واعتبرت أيضا أن الإصغاء الحقيقي للأبناء وطمأنتهم بأن العائلة ستظل سندا لهم مهما كانت النتائج يمنحهم ثقة عميقة بالنفس، ويخفف من رهبة الامتحان، ويزيد من قدرتهم على التركيز والثبات الانفعالي.
وأضافت بأن المرافقة النفسية ليست ترفا تربويا، بل هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها النجاح المعرفي والتحصيل الدراسي، مشيرة إلى أن دور الأسرة الجزائرية اليوم مطالب بالانتقال من منطق «الرقيب والمحاسب» إلى منطق «الحاضنة والملجأ»، لأن النجاح الحقيقي يبدأ من توازن النفس قبل توازن الأرقام، وحضور الأولياء الواعي والمتفهم يمثل الجسر الآمن الذي يعبر به الأبناء نحو التميز والثبات.







