تشهد بيئات العمل الحديثة تحوّلا جذريا متسارعا مدفوعا بالطفرة التكنولوجية التي فرضتها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، غير أن هذا الانتقال القسري نحو الرقمنة الشاملة لم يعد يمر دون إثارة موجة عارمة من القلق والرفض الصامت والمعلن في أوساط الإطارات والمهندسين والمهنيين..
وتكشف المعطيات الميدانية الحديثة لعام 2026 في أوروبا، عن تنامي ظاهرة «المقاومة الأخلاقية والمهنية» ضد ما يُعرف بـ»الإلزام الفوقي» باستخدام هذه الأدوات، وهو ما يضع الرهانات الاقتصادية للشركات في مواجهة مباشرة مع الهوية المهنية والاستقرار النفسي للمورد البشري.
وتعكس الإحصائيات الأخيرة الصادرة عن الهيئات المهنية الأوروبية، القفزة الارتدادية في نسب الاعتماد؛ حيث تضاعفت نسبة الشركات الكبرى والمتوسطة التي تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي المحترفة لعامليها لتصل إلى 45 بالمائة، في حين بلغت النسبة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو 26 بالمائة، ورغم أن أكثر من نصف الإطارات والشباب دون سن الخامسة والثلاثين قد انخرطوا فعليا في هذا المسار، إلا أن هذه الأرقام المرتفعة تخفي وراءها مناخا من التوجس والضغط النفسي؛ إذ تحوّلت مبررات الإدارة من مجرد دعوات للتكوين السطحي إلى إملاءات حاسمة تربط بقاء الموظف في المؤسسة بمدى انصياعه لـ»ركوب موجة الذكاء الاصطناعي»، ما ولّد شعورا حادا بالتهديد والإقصاء وسلب الموظف كفاءته الذاتية ليتحوّل إلى مجرد «مُعالج بيانات» يخدم الآلة بدلا من أن تخدمه.
وتتعدّد خلفيات هذا الرفض المتنامي وتتداخل لتتجاوز مجرد «المقاومة التقليدية للتغيير»، لتصل إلى أبعاد بيئية، وأخلاقية، وسياسية؛ فالعديد من الإطارات والباحثين يبدون اعتراضا واعيا مبنيا على الكلفة البيئية الباهظة لمراكز البيانات واستهلاكها المفرط للطاقة والمياه، معتبرين أن مضاعفة سرعة الإنتاج لا تبرر استنزاف الموارد الطبيعية.
وعلى الصعيد السياسي والأخلاقي، تبرز هواجس التبعية التكنولوجية المطلقة للشركات الاحتكارية الكبرى، ناهيك عن الإشكاليات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية والملكية الفكرية، وهو ما يجعل رفض هذه الأدوات بمثابة «موقف نابع من ضمير مهني وأخلاقي» يرفض مقايضة الاستدامة والأخلاقيات بالسرعة والربح السريع، ويرفض الانسياق وراء طوباوية تكنولوجية غير آمنة تقزم المهارات التراكمية لصالح قوالب جاهزة تفتقر للحسّ الإنساني والسياق الملموس.
ومن منظور سوسيولوجيا العمل، يتجلى المأزق الأكبر في «عمودية الراديكالية التكنولوجية» التي تنتهجها الإدارات؛ حيث يتمّ إسقاط هذه الأدوات كسلطة معيارية بقرارات فوقية دون إشراك الشركاء الاجتماعيين أو فهم حقيقي لطبيعة وعمق المهن.
ويرى خبراء ومهنيون أن الإدارة، في سعيها المحموم وراء مضاعفة الإنتاجية بنسب اعتباطية، تقع في فخّ الجهل بآلية اشتغال هذه النماذج اللغوية التي كثيرا ما تخطئ وتفتقر للفهم الفعلّي، ما يضطر الموظف إلى قضاء وقته في مهام روتينية ومملة كالتدقيق والنسخ واللصق، بدلا من التفرغ للمهام المعقدة والمبتكرة التي وُعِد بها، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى إفراغ العمل من معناه الجوهري وقيمته الإبداعية، وإنتاج حالة حادة من الاغتراب المهني.
ويمتد الأثر السلبي لـ»الأتمتة المفروضة» ليطال البنية التفاعلية داخل المؤسسات مسببا نوعا من العزلة، حيث يحل التواصل الميكانيكي مع الشاشات والبرمجيات محل التفاعل البشري الخلاق والتعاون الجماعي، وأمام هذا الضغط الفوقي وغياب قنوات الحوار الحقيقية، تصبح الاستقالة الصامتة، أو طلب إنهاء الخدمة بالتراضي، أو الرغبة في تغيير المسار المهني بمثابة صرخة احتجاجية صريحة للحفاظ على كرامة العمل الإنساني؛ بينما يعيش جزء آخر حالة من التمزّق بين الحفاظ على موقعه التنافسي في سوق عمل شرسة، والتوجّس من التحوّل إلى مجرد «كائنات مهنية» مغتربة في بيئة عمل لم تعد تعترف بخصوصية الذكاء الإنساني وتسعى لتنميط الوجود المهني برمتّه.




