تضع الطفرة العالمية الراهنة لمراكز البيانات (Data Centers) المخصّصة لخدمات الذكاء الاصطناعي منظومة التنمية المستدامة أمام معضلة بنيوية غير مسبوقة؛ حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية الجيواستراتيجية للدول مع حتمية الحفاظ على الموارد الحيوية الأساسية كالماء والطاقة.
وتكشف المعطيات الميدانية عن تناقض صارخ بين الطموح الصناعي والواقع المعيشي للسكّان؛ ففي وقت تتسابق المجموعات التكنولوجية الكبرى مثل (Amazon Web Services، وOdata، وAscenty) على افتتاح مراكز تخزين بيانات عملاقة، تعاني القرى والمجمعات السكنية المحيطة بها من أزمة شح مائي خانقة وصلت إلى حد انقطاع المياه الصالحة للشرب لأسابيع متواصلة، ما يضطر العائلات للتزود عبر شاحنات الصهاريج الخاصة التي تضاعف أعباءهم المالية، ولعلّ هذا التفاوت يعيد صياغة مفهوم «العدالة البيئية»، حيث يؤدي تدفّق الاستثمارات الرقمية إلى تقليص حصص المواطنين من المياه وتوجيهها لتبريد الخوادم العملاقة.
ويرجع اختيار حاضنات مراكز البيانات إلى عوامل لوجستية واقتصادية محض، فالخيار عادة يقع على المناطق التي تتمتع بمواقع جغرافيا مركزيا، واستقرارا أمنيا، وشبكة ربط عالية التدفق يعزّزها مد خطوط الألياف البصرية كما يلاحظ أصحاب المراكز المناطق التي تتميّز بانخفاض أسعار العقارات الصناعية وكلفة الطاقة مقارنة بالحواضر المالية الكبرى كمدينة نيويورك، إلى جانب توفر يد عاملة منخفضة التكلفة، وهي المعايير التي تعتبر جاذبة لمشاريع ضخمة، كمشروع شركة (Cloud HQ) المقدر بـ4.8 مليار دولار.
غير أن الطموحات الاقتصادية للمناطق التي تجذب مراكز البيانات، تصطدم بإنهاك حاد في البنية التحتية للطاقة؛ فمع توقع تضاعف الطلب على الكهرباء، يبرز مأزق عجز شبكات التوزيع عن استيعاب أي أحمال إضافية.
وتظهر تقارير متعددة أن الاندفاع نحو اقتصاد الذكاء الاصطناعي ينطوي على موازنة معقدّة وغير متكافئة بين العوائد المالية الرقمية البعيدة، والكلفة الحيوية المباشرة المتمثلة في استنزاف مقومات الحياة الأساسية من ماء وطاقة؛ وهو ما يفرض على الاقتصادات الناشئة إعادة التفكير في شروط استضافة هذه المراكز عبر سنّ تشريعات بيئية صارمة تضمن أن لا يكون التحديث التكنولوجي على حساب الأمن الحياتي للمواطنين.



