تجاوز الشعارات إلى ملامسة انشغالات المواطنـين
تدخل الساحة السياسية الوطنية، غدا مرحلة جديدة من مسار الانتخابات التشريعية المقررة في 2 جويلية المقبل، مع الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية التي ستستمر إلى غاية 28 جوان، قبل دخول فترة الصمت الانتخابي الممتدة من 29 جوان إلى أول جويلية.
يمثل الموعد انتقالا فعليا من مرحلة الترتيبات الإدارية والتنظيمية إلى مرحلة التواصل المباشر مع الهيئة الناخبة، ما يضع الأحزاب السياسية والقوائم الحرة أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على تقديم خطاب سياسي واضح، وبرامج قابلة للنقاش والتقييم، وحضور ميداني يتجاوز الشعارات إلى ملامسة انشغالات المواطنين.
وخلال الأيام الأخيرة، بدأت ملامح هذه المرحلة تتجسد من خلال النشاط المتزايد لمختلف التشكيلات السياسية، سواء عبر استكمال ضبط القوائم الانتخابية، أو عرض البرامج والتصورات، أو تنظيم لقاءات تنسيقية مع المناضلين والإطارات المحلية. فقد شرع حزب جبهة التحرير الوطني في تعبئة هياكله ومنتخبيه المحليين تحسبا للحملة، فيما اختار التجمع الوطني الديمقراطي توظيف الوسائط الرقمية، من خلال منصة إلكترونية تعرض القوائم الانتخابية والبرنامج وأجندة النشاطات عبر مختلف ولايات الوطن.
كما قدمت حركة مجتمع السلم برنامجها الانتخابي، بينما كانت حركة البناء الوطني قد كشفت في وقت سابق عن أبرز محاور مشروعها السياسي. وفي السياق ذاته، واصلت جبهة القوى الاشتراكية لقاءاتها المحلية مع المناضلين، بما يعكس توجها عاما لدى معظم الأحزاب نحو الجمع بين التعبئة الداخلية والعمل الجواري الميداني.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن الحملة الانتخابية المرتقبة تتجاوز التجمعات الكبرى أو الظهور الإعلامي عبر الشاشات، حيث ستنتقل بقوة إلى الأحياء والبلديات والقرى والمناطق الداخلية، حيث يبحث الناخب عادة عن مترشح قريب من محيطه وقادر على التعبير عن أولويات منطقته. لذلك تراهن الأحزاب والقوائم المترشحة على الخرجات الميدانية واللقاءات المباشرة مع المواطنين، وفتح النقاش حول قضايا التنمية المحلية والتشغيل والصحة والتربية والفلاحة والاستثمار والرقمنة وتحسين الخدمات العمومية.
كما ستكون شبكات التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات الأساسية في الحملة الانتخابية، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بمدى قدرة المترشحين على تحويل الخطاب الرقمي إلى ثقة سياسية ملموسة، لاسيما لدى فئة الشباب التي تعد الأكثر استخداما لهذه المنصات، ما يستدعي اعتماد أساليب تواصل حديثة ولغة تتلاءم مع اهتماماتها وتطلعاتها.
وبالنسبة للقوائم الحرة، فإن الرهان يبدو مختلفا نسبيا مقارنة بالأحزاب السياسية، بالنظر إلى غياب الهياكل التنظيمية الواسعة في كثير من الحالات. غير أنها تراهن بالمقابل على صورة المترشح القريب من المواطن، وعلى شبكة العلاقات الاجتماعية والمهنية داخل الدوائر الانتخابية.
كما يمنحها حضورها في وسائل الإعلام العمومية، ضمن فضاءات التعبير المباشر، فرصة للتعريف بمترشحيها وبرامجها أمام جمهور أوسع، شريطة تقديم رسائل دقيقة ومركزة تستثمر بفعالية الوقت المخصص لها. وفي هذا الإطار، يشكل مبدأ المساواة في الولوج إلى الإعلام العمومي عاملا أساسيا في تمكين الناخب من الاطلاع على مختلف الرؤى والبرامج دون تمييز بين الأحزاب والقوائم الحرة.
وقد جاءت عملية القرعة الخاصة بتوزيع الحيز الزمني عبر وسائل الإعلام العمومية لتأطير هذا الجانب من الحملة، حيث تستفيد كل قائمة من مساحة محددة للتعبير المباشر عبر الإذاعة والتلفزيون ضمن برنامج يومي يمتد طوال فترة الحملة الانتخابية. كما جرى التوقيع على ميثاق أخلاقيات الممارسات الانتخابية، بما يكرس قواعد المنافسة النزيهة ويعزز الالتزام بخطاب مسؤول يبتعد عن التشنج والممارسات التي قد تسيء إلى النقاش الديمقراطي.
وفي السياق نفسه، دعت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات القوائم المقبولة إلى استكمال الإجراءات التنظيمية المتعلقة بترتيب المترشحين وتعيين الأمناء الماليين وفتح حسابات تمويل الحملة، في خطوة تعكس انتقال العملية الانتخابية إلى مرحلتها العملية قبيل الشروع في مخاطبة الناخبين وعرض البرامج والتصورات.
ومن المنتظر أن تكشف الحملة الانتخابية عن تباين واضح في أساليب الإقناع والتواصل بين الأحزاب ذات الرصيد التنظيمي والتجربة السياسية الطويلة، وتلك التي تراهن على خطاب أكثر تخصصا، فضلا عن القوائم الحرة التي تسعى إلى بناء حضورها انطلاقا من الأسماء المحلية والروابط المجتمعية. كما ستكون الجالية الوطنية بالخارج حاضرة في هذا المسار من خلال الدوائر الانتخابية المخصصة لها، ما يوسع دائرة المنافسة ويجعل الخطاب الانتخابي مطالبا بمراعاة انشغالات الجزائريين داخل الوطن وخارجه.
ومع اقتراب موعد انطلاق الحملة، تتجه الأنظار إلى طبيعة الرسائل السياسية التي ستقدمها الأحزاب والقوائم الحرة. فالناخب الجزائري اليوم يسعى إلى معرفة الكيفية التي تنظر بها كل قائمة إلى دور النائب داخل المجلس الشعبي الوطني، وكيف ستتعامل مع الانشغالات اليومية للمواطنين، وكيف ستوفق بين مهام التشريع والرقابة وتمثيل الدائرة الانتخابية.
كما تمثل هذه المنافسة فرصة لقياس قدرة الطبقة السياسية على تجديد أدوات الاتصال السياسي، والابتعاد عن الخطابات التقليدية الجاهزة، والاقتراب أكثر من الأسئلة الحقيقية التي يطرحها المجتمع في مختلف ولايات الوطن.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحملة الانتخابية المقبلة فضاء لاختبار البرامج والوجوه والخطاب السياسي في آن واحد. وكلما نجح المترشحون (أكثر من 10 آلاف مترشح) في مخاطبة المواطن بوضوح واحترام، وقدموا التزامات واقعية وقابلة للمتابعة والتقييم، زادت فرص تحويل هذا الموعد الانتخابي إلى نقاش سياسي جاد حول التمثيل البرلماني ودور المؤسسة التشريعية في مواكبة تحديات المرحلة المقبلة.


