منصـــوري: بلادنــا تتحــرك كقــوة إقليميــة ترفـض لغة الهيمنة أو الوصاية
سونلغــــاز الدوليـــة تقـــدم نموذجــــا متكامــــلا بمرافقـــة تقنيــــة وتكوينيـــة
وضعت الجزائر وتشاد، أمس بنجامينا، بإشراف الوزير الأول، سيفي غريب، حجر الأساس لمحطة توليد الكهرباء للتضامن الجزائري التشادي، في خطوة جديدة تؤكد انتقال التعاون بين البلدين إلى مشاريع ميدانية تمس مباشرة حياة المواطن، وتمنح العلاقات الثنائية مضمونا اقتصاديا واجتماعيا واضحا، خصوصا في قطاع الطاقة الذي يمثل أحد أهم شروط التنمية والاستقرار في دول الساحل.
المشروع الذي تتولى إنجازه شركة سونلغاز الدولية بطاقة 40 ميغاواط، يأتي بعد أيام قليلة من دخول محطة مماثلة الخدمة في النيجر، وهي محطة التضامن الجزائري النيجري بمنطقة غورو باندا في نيامي، ما يعكس توجها جزائريا نحو تحويل الشراكات الإفريقية إلى إنجازات قابلة للقياس والمتابعة، بعيدا عن التعاون السياسي الصرف. لاسيما وأن الأمر لا يتعلق فقط بإنشاء محطة كهرباء، بل بمرافقة تقنية وتكوينية تشمل نقل الخبرة، وتكوين الكوادر المحلية، والمتابعة المستمرة، بما يسمح للجانب التشادي بتسيير المنشأة واستغلالها وفق معايير تقنية مستقرة.
وقد ركز الوزير الأول، سيفي غريب، في كلمته بالمناسبة، على أن هذا المشروع يدخل العلاقات الجزائرية التشادية في مرحلة جديدة من التضامن والشراكة، موضحا أن ما تم الاتفاق عليه بين رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ورئيس جمهورية تشاد، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، انتقل من التشاور والتخطيط إلى التنفيذ والتجسيد الميداني. كما أكد أن الطاقة أصبحت عاملا حاسما في تحسين الخدمات العمومية، واستقطاب الاستثمار، وتطوير الصناعة، ورفع مستوى معيشة المواطن، وهي أفكار تمنح المشروع بعده الحقيقي باعتباره أداة تنمية قبل أن يكون منشأة تقنية.
وتكتسي محطة انجامينا أهمية خاصة بالنظر إلى حاجيات تشاد الكبيرة في مجال الكهرباء، وإلى العجز الذي تعرفه عدة دول في الساحل في البنى التحتية الطاقوية. خاصة وأن الطاقة اليوم لم تعد مجرد خدمة معزولة عن باقي القطاعات، بل هي أساس تشغيل المدارس والمستشفيات والإدارات والمؤسسات الاقتصادية، كما أنها شرط أولي لأي نشاط صناعي أو فلاحي حديث، ومن هذا المنطلق، فإن إنجاز محطة بقدرة 40 ميغاواط يمكن أن يساهم في تحسين التموين بالكهرباء لفائدة مئات الآلاف من المواطنين، ويمنح السلطات التشادية هامشا أكبر في التخطيط لمشاريع محلية جديدة.
في سياق متصل، لا تقف المقاربة الجزائرية عند تسليم المعدات أو بناء المنشآت، بل تمتد إلى تكوين المهندسين والتقنيين ومرافقة المؤسسات المحلية في الاستغلال والصيانة. وهذه النقطة تحديدا تمنح المشروع قيمة إضافية، لأن عددا من المشاريع في إفريقيا تعطلت في السابق بسبب غياب نقل المعرفة أو ضعف المتابعة بعد الإنجاز. أما في هذه الحالة، فإن سونلغاز الدولية تقدم نموذجا متكاملا يرتكز على خبرة الجزائر في الإنتاج والنقل والتوزيع، وعلى رصيد بشري مكون من مهندسين وتقنيين راكموا تجربة واسعة في تسيير شبكة كهربائية كبيرة ومعقدة.
وجاءت محطة تشاد بعد محطة النيجر التي أنجزتها الجزائر في ظرف وجيز، وهو ما يعزز حضور سونلغاز الدولية كمؤسسة قادرة على تصدير الخبرة الجزائرية في مجال الطاقة. وبالنسبة للجزائر، فإن هذا التوجه لا ينفصل عن رؤية أوسع للتكامل الإفريقي، تقوم على مشاريع عملية في البنى التحتية والطاقة والنقل والربط اللوجستي، بدل الاكتفاء بإعلان النوايا.
إن هذه المشاريع تفتح المجال أمام تعاون أوسع مع دول إفريقية أخرى أبدت اهتماما بالاستفادة من التجربة الجزائرية في إنجاز محطات مماثلة أو أكبر، خاصة أن الجزائر تمتلك سلسلة خبرة متكاملة تمتد من الإنتاج إلى التوزيع، مرورا بالتكوين والتحكم التقني.
وفي هذا الإطار، يرى الدكتور منصوري مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لـ»الشعب»، أن الجزائر قامت بما لم تقم به حتى دول كبرى ظلت حاضرة لعقود في الساحل، وأوضح أن فرنسا – على سبيل المثال – استفادت طويلا من اليورانيوم في النيجر لتشغيل جزء كبير من محطاتها النووية، في حين بقيت مناطق ومدن قريبة من مواقع استخراج اليورانيوم تعاني نقصا كبيرا في الكهرباء، وأضاف أن ما تقوم به الجزائر اليوم في النيجر وتشاد يعبر عن انتقال واضح من الفعل السياسي الخطابي إلى الفعل السياسي المرتبط بمشاريع اقتصادية واجتماعية في الميدان.
وأكد منصوري أن هذه المشاريع من شأنها زيادة الثقة بين الجزائر ودول الساحل، لأنها تقوم على منطق الشراكة والمنفعة المتبادلة، ولا تحمل نزعة هيمنة أو وصاية. كما اعتبر أن الجزائر تتحرك كقوة إقليمية حميدة، تدرك أن الأمن والتنمية عنصران مترابطان، وأن معالجة أسباب الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية هي المدخل الأكثر فعالية للحد من عدم الاستقرار، والهجرة غير الشرعية، وقدرة التنظيمات الإرهابية على استغلال أوضاع الشباب في المناطق المحرومة.
بالإضافة إلى ذلك، ينسجم مشروع محطة نجامينا مع ما أكده الوزير الأول بشأن قناعة الجزائر وتشاد بأن الأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي تشكل منظومة واحدة لا يمكن الفصل بين عناصرها. فلا يمكن الحديث عن استقرار دائم في منطقة الساحل دون مشاريع ملموسة، ولا يمكن بناء تنمية مستدامة دون بنى تحتية قوية، وفي مقدمتها الطاقة. ومن هنا تبرز أهمية الربط بين محطة الكهرباء ومشاريع أخرى مثل الطريق العابر للصحراء، والربط بالألياف البصرية، وتعزيز النقل الجوي واللوجستي، وهي كلها أدوات لفك العزلة عن المناطق الداخلية وفتح آفاق جديدة للتجارة والاستثمار.

