آليات مرنة للانتقال من التسيير التقليدي إلى الرقابة التكنولوجية
المنظومة القانونية الجديدة تضع الأحزاب أمام مسؤولية وطنية..
إعادة هيكلة «سلطة الانتخابات».. رفع كفاءة الأداء وتكريس حياد الإدارة
تجري الانتخابات التشريعية المقرّرة يوم 2 جويلية المقبل، في ضوء ترسانة قانونية تؤسّس لعهد جديد من الممارسة الديمقراطية وإصلاحات هيكلية وتنظيمية تستجيب لمتطلّبات المرحلة ولتطلّعات مختلف الفاعلين السياسيين، وتأخذ بعين الاعتبار التحولات التي تعرفها البلاد.
وتأتي التعديلات الجوهرية التي تضمّنها القانون العضوي المعدل والمتمم للأمر 21- 01 المتضمّن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، لتواكب رهانات الدولة في ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتجفيف منابع المال الفاسد وإعطاء دفع قوي للكفاءات الشابة والمحافظة على استقرار مؤسّسات الدولة.
كما تعكس الهندسة التشريعية الجديدة للعملية الانتخابية رغبة واضحة في الانتقال من التسيير البيروقراطي والتقني التقليدي إلى آليات مرنة، تعزّز ثقة المواطن في الصندوق وفي مؤسّسات الدولة، وتضمن ترجمة فعلية للإرادة الشعبية.
وقد تضمّنت الأحكام الجديدة التي وردت في قانون الانتخابات في صيغته المعدلة، حزمة من الإصلاحات الهيكلية والتنظيمية التي مسّت صلب العملية الانتخابية، بدءا من الترشّح ووصولا إلى إعلان النتائج.
وتتجلّى أهم هذه التعديلات في إعادة هيكلة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وتعزيز صلاحياتها الدستورية في تحضير وتنظيم وتسيير والإشراف على العمليات الانتخابية، مع تكريس مبدأ حياد الإدارة من خلال التزامها فقط بتوفير الدعم المادي والبشري واللوجيستي.
وبهدف الرفع من الكفاءة والسرعة في اتخاذ القرار، تمّ تقليص عدد أعضاء مجلس السلطة الوطنية المستقلة من 20 عضوا إلى 10 أعضاء فقط، مع تشكيل مكتب تنفيذي مرن يتكوّن من رئيس وعضوين، كما اشترط القانون الجديد إدراج «عنصر الخبرة في المجال الانتخابي» كمعيار أساسي لعضوية المجلس.
وفي سياق ذي صلة، أحدث القانون تحوّلا مرنا بمنح الأحزاب السياسية والمترشّحين الأحرار صلاحية ترتيب قوائمهم الانتخابية داخليا، بناء على الكفاءة والانتشار الاستراتيجي، بعد أن كان الترتيب يعتمد سابقا على الحروف الأبجدية، مع الحفاظ على حق المواطن الكامل في اختيار مرشّحه المفضّل بكل حرية داخل القائمة المعنية.
ولفتح الباب أمام مشاركة سياسية أوسع وتجاوز العقبات التنظيمية الصعبة، أقرّت التعديلات تخفيض عدد التوقيعات المطلوبة لإعداد قوائم الترشيحات داخل وخارج الوطن، فضلا عن ذلك، تمّ إعفاء الولايات المستحدثة من بعض الشروط، على غرار تلك المتعلقة بجمع التوقيعات، وذلك متى استوفى أحد الشرطين: حصول الحزب السياسي على أكثر من 4 بالمائة من الأصوات المعبّر عنها في الولاية الأمّ خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتوفّر الحزب السياسي على 10 منتخبين على الأقل في الولاية الأم.
وتضمّنت التعديلات مراجعة لنسب تمثيل المرأة، عبر تحديدها بالثلث في القوائم الانتخابية، مع وضع أحكام انتقالية مرنة للقوائم، التي قد لا تستوفي هذا الشرط بشكل كامل في بعض الدوائر، فيما تمّ تشديد معايير النزاهة بإلزام المترشّحين بإثبات وضعيتهم الجبائية، ومواكبة للتطور التكنولوجي، فرض القانون الجديد إدراج الرقم التعريفي الوطني في بطاقات الناخبين بشكل تدريجي لضمان قاعدة بيانات وطنية دقيقة تمنع التكرار، بالإضافة إلى اعتماد آليات الفرز الإلكتروني والرقابة الرقمية لتقليل الأخطاء البشرية وسرعة إعلان النتائج.
وترمي التعديلات الجديدة إلى خلق توازن دقيق بين تسهيل شروط المشاركة السياسية للمواطنين والأحزاب، وبين فرض ضوابط صارمة تضمن الكفاءة العلمية والنزاهة المالية للمترشّحين لتبوّء مقعد تحت قبة البرلمان.
ويأتي هذا الإطار القانوني ليؤسّس لمرحلة جديدة في الممارسة الديمقراطية، يتراجع فيها النفوذ المالي أمام معايير الكفاءة والبرامج
الواقعية، وهو ما يضع الناخبين والأحزاب أمام مسؤولية وطنية مشتركة لإنتاج مجالس منتخبة قوية قادرة على قيادة قاطرة التنمية المستدامة.
وتعكس كل هذه الإصلاحات، التي بادر بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والتي شملت إلى جانب القانون المتعلق بنظام الانتخابات، قانون الأحزاب السياسية والقانون المحدّد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في البرلمان، الإرادة السياسية القوية لوضع أسس قانونية وتنظيمية متينة لمسار انتخابي قائم على الشفافية والنزاهة والحياد واحترام اختيار الناخب.
كما تجسّد حرص الدولة على تعزيز مسار العملية الانتخابية، من خلال توجه إصلاحي متدرّج يوازن بين توسيع المشاركة السياسية وتعزيز آليات النزاهة والشفافية، بما يعزّز الثقة في مؤسّسات الدولة ويكرّس الممارسة الديمقراطية في بعديها العملي والتنظيمي.
وكان رئيس الجمهورية قد أكّد خلال لقائه الإعلامي الأخير مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، أنّ كل الظروف متوفرة لضمان نزاهة الانتخابات التشريعية، مشدّدا على أنّ الدولة ماضية في ضبط العملية الانتخابية، وهو ما تجسّد في النصوص القانونية الجديدة.




