المخطـوط والمنجـز الفكـري أدوات حاسمـة لدحـض الأطروحـات الكولونياليـة
إنشاء قـاعدة بيانـات موحّدة وتوجيه جهود جرد المخطوطـات لـ “جامع الجزائر”
اختتمت أمس الأول الاثنين ببلدية بوسمغون بولاية الأبيض سيدي الشيخ، أشغال الملتقى الوطني حول “المخطوط الأمازيغي المدون بالحرف العربي”، الذي نظّمته المحافظة السامية للأمازيغية بالتنسيق مع السلطات المحلية لولايتي البيض والأبيض سيدي الشيخ وبلدية بوسمغون.
توّج الملتقى أشغاله بمجموعة من التوصيات الإستراتيجية التي تهدف إلى تحويل التراث المخطوط من “خزائن مغلقة” إلى “قوة معرفية” فاعلة، وقد تمثلت أبرز هذه التوصيات في تفعيل الحماية والتوثيق، حيث شدّد المشاركون على ضرورة الإسراع في وضع استراتيجية وطنية لحصر، جرد، وترقيم المخطوطات الأمازيغية المكتوبة بالحرف العربي الموجودة في الزوايا والمكتبات الخاصة، مع ضرورة إخضاعها لعمليات ترميم وتصوير رقمي حديث لضمان حفظها من التلف والضياع.
وأقرّ المشاركون في الملتقى الوطني خارطة طريق طموحة تعتمد التكنولوجيا الحديثة كرافعة أساسية لصون المخطوط الأمازيغي، وتتضمن صون وتثمين المخطوط عبر الجرد الشامل، من خلال إطلاق عمليات جرد وفهرسة علمية دقيقة، كما أوصى الخبراء بإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة، تضمن حفظ هذا الرصيد الحضاري وضمان إتاحته للباحثين والمهتمين وفق معايير عالمية.
أمّا في شق البحث العلمي والتكوين، تم التأكيد على ضرورة تشجيع الدراسات المتخصصة المكرسة للمخطوطات الأمازيغية، ودعم المشاريع البحثية متعددة التخصصات. كما دعا المشاركون إلى تكوين كفاءات وطنية عالية التأهيل في مجالات دقيقة، مثل “علم المخطوطات” (Codicology)، و«علم الخطوط القديمة” (Paleography)، وإدارة الوثائق، لضمان استمرارية البحث النوعي، فضلا عن الدعوة إلى مواكبة الثورة الرقمية، بدمج التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في استراتيجيات الحفظ والاستثمار العلمي، وذلك من خلال تطوير أدوات المعالجة الآلية والفهرسة الذكية، واعتماد تقنيات “التعرف الآلي على الكتابات” (HTR) لتسهيل قراءة وتحليل المخطوطات، وانشاء مدونات تراثية رقمية تسمح بتحليل النصوص والوثائق التاريخية بشكل آلي ومتقدم.
وشدّد المشاركون على ضرورة تعزيز التعاون المؤسساتي على المستويين الوطني والدولي، ضمن مسعى لتوحيد الرؤى الوطنية، حيث دعت التوصيات إلى توطيد الشراكات بين الجامعات، مراكز البحث، المكتبات، والزوايا، بالإضافة إلى حائزي الخزائن الخاصة، لضمان تضافر الجهود في جمع التراث المخطوط، كما لم يغفل الملتقى البعد الدولي، حيث أوصى بتشجيع المبادرات الرامية للتعرف على التراث المخطوط الجزائري الموجود في الخارج، والسعي لاسترجاعه وصونه.
وأوصى المشاركون بتوحيد وتوجيه كافة الجهود الوطنية المتعلقة بجمع المخطوطات وجردها ورقمنتها واستثمارها العلمي، نحو الهياكل المتخصصة التابعة لجامع الجزائر، وذلك تعزيزا لدوره المحوري في تنسيق جهود الحفظ، الدراسة، وتثمين التراث المخطوط الوطني، إلى جانب ذلك، ركزت التوصيات على البعد التوعوي والمجتمعي؛ حيث دعا المشاركون إلى ضرورة ترقية “ثقافة المخطوط”، وتجذير الذاكرة الوطنية من خلال برامج توعوية موجهة للمؤسسات التربوية، الهيئات الثقافية، والجمهور الواسع، مؤكّدين على أهمية التعريف بالمخطوطات الأمازيغية باعتبارها مكونا جوهريا من مكونات التراث الوطني، ووسيلة معرفية وحضارية بالغة الأهمية لنقل القيم التاريخية واللغوية التي صاغت الهوية الجزائرية عبر العصور.
وكانت أشغال اليوم الثاني من الملتقى ثرية، فقد رصدت مداخلة الدكتور سعيد معول، التمازج التمازج التاريخي والإنتاج المعرفي المشترك بين الأمازيغية والعربية، ليدعو إلى استرجاع أمهات الكتب الكفيلة بتحصين الذاكرة الوطنية، وركّز على كتابين اثنين، اعتبر ترجمتهما واجبا وطنيا لا يحتمل التأجيل، وهما من مكتبة المفكر امحند تازروت، مذكرا بمواقفه الوطنية الصارمة وصدمته الفكرية التي تلت مجازر 8 ماي 1945، والتي صاغها في كتابه التاريخي الاستشرافي “الجزائر غدا” (L’Algérie de demain)، وكتاب “التاريخ السياسي لشمال إفريقيا” (1961)، مؤكّدا أن هذا المصنّف يعد الأقوى والأعمق في تفكيك ودحض الأطروحات الكولونيالية، وحملات التضليل التي قادها شارل ديغول من العواصم الغربية للتشكيك في أصالة وعراقة الأمة الجزائرية وامتدادها الأمازيغي.
وفي مداخلة حظيت باهتمام واسع من قِبل الباحثين، ركّز البروفيسور صادق بالا، المختص في الدراسات المتوسطية والشرقية بجامعة بجاية، على البعد الجيوسياسي والثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، مستعرضا ترسانة من الوثائق والمؤلفات التاريخية التي تؤصل لعراقة الهوية الوطنية والإقليمية، ودعا إلى ضرورة تفعيل الدراسات المقارنة وإعادة قراءة المخطوطات والمنجزات الفكرية باعتبارها أدوات علمية حاسمة لإثبات الامتداد الحضاري للأمة، كما شدّد على أنّ الهوية ليست إرثا جامدا إنما هي صيرورة تاريخية وثقافية مستمرة تتطلب التوثيق العلمي والتحقيق الأكاديمي الرصين لمجابهة كل محاولات التزييف أو طمس الحقائق التاريخية.
من جانبه، أضفى الدكتور عبد القادر الحسيني، الباحث في الفقه وأصوله بجامعة البيض، بعدا تشريعيا ومقاصديا على أعمال الملتقى، حيث ركّز في تدخله على المقاربة الأصولية وعلاقتها المباشرة بالواقع والبيئة الفكرية للمجتمع الجزائري عبر التاريخ.




