في الخامس عشر من يونيو عام 2026، وفي رحاب جامعة أكسفورد العريقة، جرى بهدوء يليق بالحكمة مشهد نادر. لم يكن احتفالا بروتوكوليا عابرا، بل طقسا أكاديميا محكم الدلالات. وقف فضيلة الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، عميد جامع الجزائر، يتوسّط المنصة بوقار العالم الصوفي، محاطا بوزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري، والبروفيسور الشاعر ياسين بن عبيد، رئيس المركز الثقافي الإسلامي بجامع الجزائر. كانوا يوقعون اتفاقية إطلاق “كرسي الأمير عبد القادر” في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ويدشنون إلى جواره “قاعة الجزائر” المكسوة بالزليج الأصيل.
في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد افتتاح كرسي بحثي. كان إيذانا بـ«هجرة” رجل من زمن السيوف والمواقف إلى زمن الأطروحات والمختبرات. كان التاريخ الذي اختير بعناية، الأول من محرم 1448 هجرية، يعلن عن نفسه بهدوء: نحن هنا في بداية تقويم، وفي بداية سردية جديدة.
كيميـــــاء الاصطفـــــــاف.. لماذا هـــــــــؤلاء الثلاثة؟
تقرأ مثل هذه المناسبات من شرفائها. فالشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، سليل الأسرة العلمية والصوفية العريقة، لم يكن حاضرا بصفته الرسمية فقط، بل بوصفه الوريث الحي للسلسلة الروحية التي ينتمي إليها الأمير عبد القادر نفسه. إنه الجسر البشري بين التصوف الجزائري الأصيل والرسالة الكونية التي يراد إيصالها إلى العالم. في كلمته، لم يتحدث عن الأمير كقائد حربي، بل كـ«مدرسة عالمية لأخلاقيات القوة”، ربط فيها بين “جامع الجزائر” كصرح روحي حضاري و«جامعة أكسفورد” كصرح أكاديمي عالمي.
إلى جواره، جسد الوزير كمال بداري البعد الإجرائي للدبلوماسية العلمية.. لم يكن وجوده توقيعا على اتفاقية فحسب، بل كان إعلانا عن تحويل المشروع إلى “منصة حركية” للباحثين الجزائريين، وفتح آفاق للزمالات والتبادل الأكاديمي. إنه المهندس الذي سيترجم الرمز إلى برامج، والفكرة إلى أطروحات.
أما البروفيسور ياسين بن عبيد، فكان الصوت الثالث الضروري: الصوت الثقافي الشاعري الذي يذكر الجميع بأن إرث الأمير ليس مادة للتحليل السياسي والتاريخي فقط، بل هو “إرث جمالي وفكري لا يشيخ”، وأن هذا الكرسي هو أيضا احتفاء بالكلمة وبالروح وبالفن. اكتملت بذلك ثلاثية استراتيجية: روح الشيخ، وعلم الوزير، وجمال الشاعر.
دلالات التوقيــت.. لمــــاذا الأول مـــن محـرم؟
لم تكن مصادفة أن يتوافق 15 يونيو 2026 مع غرة العام الهجري الجديد.. في المخيال الإسلامي، “الهجرة” ليست مجرد انتقال في المكان، بل هي قطيعة مع نمط وجود وولادة في نمط آخر. إن إطلاق كرسي الأمير في هذا اليوم بالذات يحول الحدث إلى شعيرة رمزية مدروسة: إنها “هجرة” لإرث الرجل من حيز الذاكرة المحلية والاحتفالات البروتوكولية إلى رحاب البحث الأكاديمي الرصين في أعرق جامعات الغرب. من “الذاكرة التي تستعاد” في الخطب إلى “المعرفة التي تنتج” في المختبرات.
لكن التوقيت له وجه آخر أكثر راهنية، يأتي الافتتاح في لحظة دولية مشحونة بالأسئلة حول “أخلاقيات الحرب” وحدود “القانون الدولي الإنساني”، في عالم تعود فيه الوحشية إلى ساحة القتال وتتصاعد فيه خطابات الكراهية، يصبح النموذج الذي جسده الأمير حاجة ماسة، لا مجرد رفاهية أكاديمية. إن مواقفه في معاملة الأسرى الفرنسيين (1837-1845)، ووثيقة حمايته لآلاف المسيحيين في دمشق عام 1860، تظل مراجع حية في القانون الدولي الإنساني المعاصر. لقد سبقت ممارساته “قانون ليبر” (1863) واتفاقيات جنيف بعقود، كما تشير دراسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تضعه اليوم في مصاف الآباء المؤسسين للقانون الإنساني، إلى جانب هنري دونان.
النــواة الصلبــة.. التصــــوف والتوصـــف الأكــــبري كمفتــاح للفهــم
لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه: ما هو المنبع الذي صدرت عنه هذه المواقف الفريدة؟ هنا يكمن قلب الرسالة التي يحملها الكرسي إلى أكسفورد. لا يمكن فهم الأمير عبد القادر بمعزل عن خلفيته الصوفية العميقة، وتحديدا، انتماؤه للمدرسة “الأكبرية”، نسبة إلى الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.
في منفاه، كتب الأمير واحدا من أرفع النصوص الصوفية في القرن التاسع عشر: كتاب “المواقف”. هذا النص ليس تأملات ناسك ابتعد عن الدنيا، بل هو “دستور فلسفي” يفسر مسار حياته كلها.. جوهر هذا الدستور هو “وحدة الوجود”، ليس بالمعنى المبتذل، بل
بمعنى أن كل موجود هو “مرآة للحق”، وعندما يكون كل إنسان – بغض النظر عن دينه أو عرقه – مرآة للإلهي، تصبح كرامته مطلقة لا تقبل التجزئة.
هذا هو المفتاح.. لم يكن الأمير “يتسامح” مع المختلف لأنه فضيلة أخلاقية، بل لأن رؤيته الوجودية للعالم لا تجد أي مبرر لانتهاك المقدس في الآخر. في منظوره العرفاني، التنوع الديني ليس مشكلة، بل هو “تجليات مختلفة للحقيقة الواحدة”. هذه الفكرة المركزية، التي شرحها الباحث الفرنسي ميشيل شودكيفيتش في دراسته لكتابات الأمير الروحية، هي التي منحته القدرة على محاورة قادة أوروبا بروح الندية الأخلاقية، وجعلته يعلن في دمشق كلمته الشهيرة: “إن ما فعلته هو ما يمليه علي ديني وحقوق الإنسانية”.
التصوف الفاعل.. حين يصحح “الجهاد الأكبر” “الأصغر”
هنا بالضبط يكمن جوهر الاحتفاء في أكسفورد.. الاحتفاء ليس بمتصوف انزوى عن العالم، بل بمتصوف جعل من “الجهاد الأكبر” (جهاد النفس) وقودا لـ«جهاد أصغر” اتسم بالرحمة.. هذا ما يسميه عميد جامع الجزائر في كلمته بـ«التصوف الفاعل”… إنه تصوف لا يكتفي بتربية الروح في الزاوية، بل ينخرط في التاريخ وفي صناعة السلام.
هذه الصورة المركبة هي التي جعلت منبر “إيوريجا ريفيو” يطلق على الأمير لقب “القديس الفيلسوف”، وهو لقب يختصر هذا المزاج النادر بين القداسة والفعل التاريخي. إنه نموذج مضاد للجهادي المتوحش وللمستعمر المتغطرس معا، وهذا تحديدا ما يجعل الغرب الأكاديمي المعاصر منصتا له. هو لا يطلب من الغرب أن يصبح “شرقيا”، ولا يبيع للشرق “حداثة” مستوردة، بل يعيد صياغة السؤال: ماذا لو كان احترام الكرامة الإنسانية نتيجة حتمية لرؤية كونية، وليس مجرد مجاملة دبلوماسية؟
”قاعــــة الجزائــر” والزليــج.. العمـارة كخطاب مــواز
ولأن الأفكار تحتاج إلى فضاء يسكنها، لم يكن تدشين “قاعة الجزائر” ترفا جماليا هامشيا.. إن حضور الزليج الجزائري الأصيل في قلب أكسفورد هو “إعلان هوية” يشتغل في صمت، فكما تترابط قطع الزليج في تناغم بصري لا يلغي فرادتها، يترابط فكر الأمير بين العمق المحلي الجزائري والامتداد الإنساني الكوني. القاعة هي “فضاء دائم” للتعريف بالهوية الجزائرية في أرقى المؤسسات الأكاديمية، وهي تؤكد أن الأصالة ليست نقيضا للحداثة، بل يمكن أن تتألق في أكثر مختبراتها نخبوية.. العمارة هنا خطاب مواز يقول: الجزائر تحضر بتاريخها ورموزها الجمالية، لا لتكون ضيفا عابرا، بل جزءا من نسيج الحوار الأكاديمي العالمي.
التجاذبـــات.. اعــــتراف أم اخــتراق؟
تتباين قراءة الحدث بين المصادر، وهذا التباين ذاته جزء من ثراء الظاهرة. تركز الصحافة الناطقة بالإنجليزية على الكرسي بوصفه فرصة “لفهم المجتمعات الإسلامية” وتقدير إرث إنساني مشترك، بينما تشدد المصادر الجزائرية على “الوفاء لرموز الدولة” و«اختراق ثقافي” في الساحة الدولية. وبين القراءتين، ثمة حقيقة واحدة: افتتاح “كرسي الأمير عبد القادر” ليس نهاية لمشوار، بل بداية لاختبار حقيقي. فإما أن يصبح هذا الكرسي مختبرا لإنتاج معرفة كونية جديدة من قلب الرؤية الصوفية الإنسانية، وإما أن يتحول إلى مزار أكاديمي جميل.
لقد حظي الأمير في زمانه بإشادات عالمية من الملكة فيكتوريا والرئيس أبراهام لنكولن وبابا الفاتيكان. واليوم، في أكسفورد، لا يستدعى ذلك الإعجاب القديم، بل يبنى عليه. يبنى عليه كرسي، وقاعة، وزمالات بحثية، وأطروحات قادمة.وكما يفتح في أكسفورد مختبر لدراسة إرثه، يفتح أيضا سؤال كبير: هل يستطيع العالم أن يلتقط هذا الخيط الرفيع بين الروح والسياسة، بين “السيف” و«القلم” و«المسبحة”، قبل أن يتمزق تماما؟ الرهان الآن معلق على أول باحث يملأ قاعة الزليج بأطروحة عن السلام، ليس بوصفها فكرة جزائرية ولا غربية، بل إرثا إنسانيا لا يملكه أحد ويحتاجه الجميع.






