أكد مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “نور الدين صحرواي” بولاية سكيكدة، محمد جابة، أن انخراط المكتبة، في الحملة الوطنية لجرد ورقمنة المخطوطات يترجم التوجّه الجديد للدولة الجزائرية الرامي إلى الارتقاء بحماية التراث الوثائقي، باعتباره أحد أهم مرتكزات الهوية الوطنية ورافعة أساسية لبناء مجتمع المعرفة، مشدّدا على أن المخطوط الجزائري لم يعد مجرد إرث تاريخي محفوظ في خزائن خاصة، بل أصبح رصيدا علميا واستراتيجيا ينبغي صونه وتثمينه وإتاحته للأجيال والباحثين وفق أحدث المعايير الدولية.
وأوضح جابة، في تصريح خصّ به “الشعب”، أن هذه المبادرة الوطنية تأتي تنفيذا لتعليمات السيدة وزيرة الثقافة والفنون، الدكتورة ملكية بن دودة، وتجسيدا لتوصيات الملتقى الدولي للتراث المخطوط المنظم تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية يومي 15 و16 جوان الجاري تحت شعار “طرق الحبر في الجزائر.. حضارة وتراث”، والذي وضع حماية المخطوطات الوطنية ضمن أولويات السياسة الثقافية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية والعلمية للجزائر.
وقال، إن الجزائر تمتلك رصيدا مخطوطا بالغ الثراء والتنوّع، يعكس المكانة العلمية التي احتلتها عبر مختلف العصور، ويضم مؤلفات في العلوم الشرعية واللغة والأدب والطب والفلك والرياضيات والتاريخ والفقه والفلسفة، فضلا عن وثائق نادرة تؤرخ للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمناطق عديدة من الوطن، الأمر الذي يجعل المحافظة عليها مسؤولية جماعية تتجاوز المؤسسات الثقافية إلى مختلف أفراد المجتمع.
وأضاف أن كثيرا من هذه المخطوطات لا يزال محفوظا لدى العائلات والزوايا والمكتبات الخاصة، وبعضها لم يخضع بعد لأي عملية جرد أو توثيق علمي، وهو ما يجعلها عرضة للتلف بفعل الرطوبة والحرائق وسوء ظروف الحفظ أو حتى الضياع النهائي، الأمر الذي يستدعي التحرّك السريع لإدماجها ضمن مشروع وطني متكامل للحفظ والرقمنة.
وأشار مدير المكتبة إلى أن الحملة الوطنية لا تستهدف نقل ملكية المخطوطات بقدر ما تهدف إلى حماية محتواها العلمي وضمان استمراريته، موضحا أن المشروع يوفر لحائزي المخطوطات خيارين واضحين، يتمثل الأول في التبرع النهائي بالمخطوط لفائدة الخزان الوطني للمخطوطات، بينما يتيح الخيار الثاني رقمنة المخطوط مع احتفاظ صاحبه الكامل بملكيته الأصلية، مع ضمان احترام جميع الحقوق القانونية والمادية والمعنوية.
وأكد محدثنا أن اعتماد الرقمنة يمثل اليوم أحد أهم الحلول العلمية لحماية التراث الوثائقي، لأنها تضمن إنشاء نسخ إلكترونية عالية الجودة يمكن حفظها واسترجاعها بسهولة، كما تسمح بإتاحة المادة العلمية للباحثين دون تعريض النسخ الأصلية للتلف الناتج عن التداول المستمر، وأضاف أن التحوّل الرقمي الذي يشهده قطاع الثقافة لم يعد يقتصر على تحديث وسائل التسيير، بل أصبح يشمل حماية الذاكرة الوطنية نفسها، من خلال إنشاء قواعد بيانات رقمية وشبكات وطنية للمخطوطات تسهل عمليات البحث والتوثيق، وتفتح آفاقا واسعة أمام الدراسات الأكاديمية ومشاريع التحقيق العلمي.
وأوضح جابة أن المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بسكيكدة ستسهم بفعالية في مشروع إنشاء شبكة رقمية لخزائن المخطوطات الوطنية، عبر استقبال أصحاب المخطوطات، ومرافقتهم في مختلف مراحل الجرد والتوثيق والرقمنة، مع توفير كل الضمانات المتعلقة بسرية المعلومات والمحافظة على حقوق المالكين.
وأضاف أن المشروع لا يقتصر على الجوانب التقنية، وإنما يحمل بعدا حضاريا عميقا، لأن كل مخطوط يتمّ جرده يمثل صفحة جديدة تضاف إلى الذاكرة الوطنية، وكل وثيقة يتمّ إنقاذها تحمي جزءا من تاريخ الجزائر من الاندثار، مشيرا إلى أن كثيرا من الأمم المتقدمة جعلت من رقمنة التراث أحد أهم مشاريعها الثقافية والعلمية خلال العقود الأخيرة.
ولفت إلى أن المخطوطات الجزائرية ليست مجرد نصوص قديمة، بل هي شواهد حية على مساهمة العلماء الجزائريين في تطور الحضارة الإنسانية، إذ تتضمن اجتهادات علمية ومؤلفات أصيلة ونسخا نادرة لا تزال تشكل مادة خصبة للبحث والتحقيق وإعادة القراءة.
وأكد أن إشراك المواطنين في هذا المشروع يمثل حجر الزاوية في نجاحه، لأن جزءا مهما من هذا التراث يوجد خارج المؤسسات الرسمية، داعيا العائلات التي تحتفظ بمخطوطات أو وثائق تاريخية إلى المبادرة بالتواصل مع المكتبة، من أجل جردها ورقمنتها وفق الإجراءات المعتمدة، دون المساس بحقوق الملكية.
وأضاف أن هذه العملية ستسمح لأول مرة بإعداد خريطة وطنية دقيقة للمخطوطات الجزائرية، وهو ما سيساعد مستقبلا على وضع سياسات علمية أكثر فاعلية في مجالات الحفظ والترميم والتحقيق والنشر، فضلا عن تسهيل التعاون مع الجامعات ومخابر البحث والمؤسسات الثقافية داخل الجزائر وخارجها.
وأشار إلى أن المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بسكيكدة باشرت التحضير لهذه العملية من خلال تجنيد إطاراتها المختصة، والاستعداد لاستقبال المواطنين وتوجيههم، مع العمل على نشر ثقافة المحافظة على المخطوطات عبر حملات إعلامية وتحسيسية تستهدف مختلف فئات المجتمع.
وختم مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بسكيكدة تصريحه بالتأكيد على أن المحافظة على المخطوطات ليست مسؤولية قطاع الثقافة وحده، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، لأن الأمم التي تحافظ على ذاكرتها قادرة على بناء مستقبلها بثقة، داعيا جميع المواطنين والباحثين والجمعيات والزوايا وأصحاب المكتبات الخاصة إلى الانخراط في هذا المشروع الوطني، والمساهمة في حماية كنوز الجزائر المخطوطة، حتى تبقى شاهدة على عراقة الحضارة الجزائرية، ومصدرا للإلهام والمعرفة للأجيال الحاضرة والقادمة.






