غزة في العنقْ…
غزة في نفقْ…
ها هو الماء مرتبكٌ…
والبساتين مكسورةٌ…
والظلال على الطرقات بلا كبرياء…
ها هنا الماء في خافق البحر… تجتاحه رعشةٌ للعبور
إلى خافق شرنقتهُ المرايا…
وماء السواقي على أهبة… أن يرانا ندقّ السنا…
ممكن أن نرى… أن نطيل الرؤى…
ونرى ما نرى… في الذرى…
غزة كوكب… الماء… والأمنيات…
غزة شمعة العمر مغتالة… بحريق الطغاة…
نستحي… الآن يا صاحبي…
يا دمي… يا رحيق الهداة…
نستحي أن نرى الشمس… مغتالة… في الأفق…
غزة في قلقْ…
غزة نفق في العنقْ…
غزة نور ربي… تلألأ ثم انفتقْ…
وجهها طاهر… كالصلاة…
كذبة من يقول احترقْ…
شبّهتُ… غزة… شبّهتُ… للعيون
شبّهتُ…
والضياء الذي فجّرته أشاوس أكتوبر…
لم يزل… نبض طوفانه… مستنيرًا…
ومشتعلًا… فوق أعناقهم… في ثبات…
يا إلهي… وهل نستحي…
حين تزهو عصافير قسّامَ عبر الطرقْ…؟
شجر البيلسان… يقال احترقْ…
ويقال لنا مات طفل ونال الشهادة… مدّ العنقْ…
مات في رمشة…
فانحنت فوقه الأم مكلومة…
تتلوى… على وجهها… المستباح بلا عمد وبلا أوقيات…
تشرب الماء في كوبها… وتنام على مضض…
في أنين الزمان بلا رغبة…
وتنادي: أنا محنة…
أنا حكمة الله في يوسف وفي ملح عيسى…
وفي زعتر اليوميات…
محنة…
ملء هذا الضجيج…
وهذا الخنوع…
وهذا السبات…
زغردت… مثل زيتونة… وبكت…
أطلقت سرب أفراحها…
أطلقت بعض تنهيدة… وتلوّت على مضض…
كي يعود إلى روحها ياسمين السنين…
وفي فمها استيقظ النور…
نادت: أنا بعتُه ولدي… ولدي في دمي…
وأنا الماء يسري… إلى غزة…
غزة في الحقول بقايا رمقٍ…
ودموعي تسابيح مجروحة…
هكذا… هكذا… قدري…
ألِدُ الشهداءَ…
وأولد من رحم الموت… مغتبطًا… مثل نور المسيح…
ومثل تسابيح حطين… أشرب الموت… في غمده…
وأنا غزة…
مريم الآن ميلادنا الأبدي…
مريم الآن… تشبهنا في الأنين وفي الحلم والوجع المشتهى…
تشبه النور في دمنا…
تشبه الماء في غمده… ساقيه…
كل أحلامها باقية…
في السما عالية…
نفقٌ… مريم… في نفقْ…
وعلى وجهها برقع الحزن مستوقدٌ…
تولد الآن… مريم.
تولد الآن مثل ريحانة… مسكها من عبق…
غزة في نفقْ…
وأنا الأم… أم الشهيد وربي احتباه… وربي احتواه…
وذاك دمي… المستطاب…
وذاك هو العمر يا أمتي قد زهقْ…
لعنة الشهداء… التي لبستها أيادي جريمتكم…
هي نبض فمي.
هي دفء فراشي غدًا…
هي ماء الرسول… وفجل التقاة… الثقاة…
هي ماء حديبية…
هي جنات عدن… وكرم الجليل…
هي ماء الرسالات في مهدها…
هي ماء الطفولة في بوحها…
هي لحن الأماني التي… ماؤها… برتقال الخليل…
هي ماء… بكعبة روحي…
ومرمر كل الورود التي لم تنم… يدها رغم نار الغزاة…
غزة في أرقْ…
أرقٌ في أرقْ…
غزة في نفقْ…
لعبةٌ في المؤقْ…
غزة نفق في العنقْ…
غزة نور ربي… تلألأ ثم انفتقْ…
وجهها طاهر… كذبةٌ من يقول احترقْ…
شبّهتُ… غزة… شُبِّهتُ…
والضياء الذي فجّرته أشاوس أكتوبر…
لم يزل… نبض طوفانه…مستنيرًا كنور الفلقْ…
فوق أعناقهم… مشرئب الشموع…
ومشتعلًا بالأناشيد والأوسمة…
أنظمة…كل أملاكها قلم…
تحتويه على مضض مقلمة…
كل أحلامهم أحزمة…
يا إلهي…وهل نستحي…
حين تزهو عصافير قسّام عبر الطرقْ…؟
شجر البيلسان… يقال احترقْ…
ويقال لنا مات طفل وملء الشهادة مدّ العنقْ…
ويقال لنا مات طفلان ومئة طفل وألف صبي تسجّى بزمزم…
لما تضرّج في غفلة دمُه…
صبية من لهب…
شربوا آية الموت في رمشهم…
ثم مدّوا الأيادي لحنّائهم…
وعلى غفلة ركبوا حتفهم ملء صمت طويل…
وها طفلها… مثلهم مات في رمشة…
فانحنت فوقه الأم مكلومة… تطلق… النور من فمها…
وتنادي: كل هذي الجرائم مدت لنا لهبًا من وحوش…
وعلى ظهرنا أفرغ الحاقدون…
على صدرنا أفرغوا كل قطرانهم…
كل آثامهم…
مات في رمشة طفلها…
وأغاني فلسطين محظورة في البلاد التي بايعت كل تيجانها…
بايعت حتفَها…
وتدلّت على لعنة الأزمنة…
وعلى صهوة الراحلين إلى حتفهم…
شربوا نخب أيامهم…
وتمنّوا لأنفسهم حفلة قادمة…
مات في رمشة طفلها… واحتواه الفناء…
لبست ما تبقّى من الحزن… في روحها…
وتغنّت مع الحزن في أيكة قاسية:
بِعْتُه ولدي…
ولدي بِعْتُه ولدي بِعْتُه لبقايا رمق…
وعصافير مجنونة تشرب الموتَ…
والماءُ في الموت تشربُه.
قدري أنجب الشهداءَ…
وأولد من رحم الموت…
مغتبطًا… مثل نور المسيح…
مثل مريم مبتلّة بالرحيق…
أشتهي في الحنايا تسابيح حطين…
أشرب الموت… في غمده…
أنجب الورد ملء الزمان
وأنجب في كل ريحانة مسك غرناطة من عبق…
وأنا غزة…
مريم الآن ميلادنا الأبدي…
مريم الآن… تشبهنا في الأنين وفي الحلم والوجع المشتهى…
تشبه النور في دمنا…
نفق… مريم… في نفقْ…
وعلى وجهها برقع الحزن مستوقد…
تولد الآن…
مريم تولد الآن مثل ريحانة… مسكها من عبق…
غزة في نفقْ…
وأنا الأم… أم الشهيد وربي احتباه…
وربي احتواه…
وذاك دمي… المستطاب…
وذاك هو العمر يا أمتي قد زُهقْ…
لعنة الشهداء… التي لبستها أيادي جريمتكم…
هي نبض فمي.
هي دفء فراشي غدًا…
هي جنات عدن…
هي ماء الرسول… وفجل التقاة… الثقاة…
هي ماء الرسول…
هي عطر حديبية…
هي كرم الجليل وكرم الخليل…
هي جنات روح يفيء إليها يتامى… البقاع العليل…
غزة في أرقْ…
غزة في نفقْ…
والعناق إليها انطلقْ.






