أكد الأستاذ بجامعة خنشلة، مراد ترغيني، أن المشهد الثقافي والفني في الجزائر يشهد خلال السنوات الأخيرة تحولات نوعية تعكس توجها جديدا نحو بناء صناعة ثقافية متكاملة، معتبرا أن هذه الرؤية لم تعد تقتصر على تنظيم التظاهرات والمناسبات، بل أصبحت تراهن على الثقافة كقطاع اقتصادي وإبداعي قادر على المساهمة في التنمية الوطنية وتعزيز مكانة الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح ترغيني في تصريح خص به «الشعب»، أن أبرز ملامح هذه المرحلة تتجسد في ما يشهده قطاع السينما من إصلاحات هيكلية، من خلال سن إطار قانوني جديد يهدف إلى ترقية الصناعة السينمائية وتحويلها إلى مجال جاذب للاستثمار، إلى جانب تشجيع المبادرات الخاصة في الإنتاج، وإنشاء المعهد الوطني العالي للسينما، واستحداث بكالوريا الفنون، بما يضمن تكوينا أكاديميا مبكرا للأجيال الجديدة في مختلف التخصصات الفنية.
وأضاف محدثنا أن الاهتمام الرسمي شمل دعم الأعمال التاريخية والروائية التي تستلهم الذاكرة الوطنية وتقدمها برؤية معاصرة تستجيب لتطلعات الشباب، فضلا عن مواصلة رقمنة قاعات العرض السينمائي وإعادة تأهيل البنية التحتية الثقافية، بما يسمح بتوفير فضاءات لائقة لاستقبال الجمهور وتشجيع الفعل الثقافي.
وفيما يتعلق بالمسرح، أبرز محدثنا أن الجزائر عرفت – خلال السنوات الأخيرة – حركية ملحوظة من خلال تنشيط الإنتاج بالمؤسسات المسرحية الجهوية، ودعم التعاونيات المسرحية المستقلة، وتنظيم مهرجانات وطنية ودولية أعادت للمسرح حيويته ومكانته، مع إيلاء اهتمام خاص لمسرح الطفل والمسرح الشبابي والجامعي، باعتبارها فضاءات لتكوين جمهور واع ومتذوق للفن.
وأشاد ترغيني بالجهود المبذولة في مجال حماية التراث الثقافي المادي واللامادي، مؤكدا أن تسجيل عدد من عناصر التراث الجزائري ضمن قوائم التراث العالمي يشكل مكسبا ثقافيا ودبلوماسيا مهما، ويسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيز حضور الجزائر في المحافل الدولية.
وعن دور السياسة الثقافية في بناء الهوية الوطنية، اعتبر ترغيني أن الثقافة أصبحت إحدى الركائز الأساسية للمشروع التنموي، انطلاقا من قناعة مفادها أن الأمن الثقافي لا يقل أهمية عن مختلف أبعاد الأمن الوطني، وأضاف أن السياسة الثقافية الحالية تعمل على ترسيخ مقومات الهوية الوطنية بأبعادها الإسلامية والعربية والأمازيغية، من خلال دعم الإنتاج الفني والأدبي الذي يستلهم الشخصية الجزائرية ويحصنها من مظاهر الاستلاب الثقافي، وأشار إلى أن توظيف الموروث الشعبي والتاريخي في أعمال إبداعية معاصرة أسهمت في تعزيز روح الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، خاصة لدى فئة الشباب، إلى جانب الدور الذي تؤديه الأعمال الثقافية في ربط الأجيال بتاريخها وقيمها الحضارية.
وفي السياق ذاته، أبرز ترغيني أن سياسة «دمقرطة الثقافة» مكنت من توسيع النشاط الثقافي خارج المدن الكبرى، عبر توجيه المشاريع الفنية والمعارض والتظاهرات إلى ولايات الجنوب والمناطق الداخلية، بما ساهم في تحقيق قدر أكبر من العدالة الثقافية وتقريب الإبداع من مختلف شرائح المجتمع، وأضاف أن تشجيع المبدعين الشباب، إلى جانب الحرص على الارتقاء بجودة الإنتاجات الفنية، أسهما في تكوين متلق أكثر وعيا وذائقة، يبحث عن أعمال تحترم عقله وتعكس واقعه، معتبرا أن ذلك يعد مؤشرا على نجاح السياسة الثقافية في بناء بيئة حاضنة للإبداع الوطني.
وختم الأستاذ مراد ترغيني تصريحه بالتأكيد على أن الثقافة في الجزائر الجديدة تسير نحو مرحلة أكثر احترافية وتنظيما، تقوم على تثمين الرصيد الحضاري للبلاد، وتوظيفه في صناعة ثقافية قادرة على خدمة التنمية، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ الحضور الثقافي الجزائري في الداخل والخارج.







