السيادة الرّقمية أحد المكونات الأساسية للسيادة الوطنية
بناء اقتصاد المعرفة بدعم الحوسبة السّحابية والذكاء الاصطناعي
يرى البروفيسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي، أنّ السيادة الرقمية أصبحت امتدادا حتميا للسيادة الوطنية في ظل التحوّلات العالمية الراهنة، مؤكّدا أنّ تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز البعد التقني، ليعكس توجّه الدولة نحو امتلاك أدوات القوة الحديثة، وعلى رأسها التحكّم في البيانات والبنية التحتية الرقمية، بما يعزّز استقلال القرار الوطني ويواكب رهانات العصر.
أكّد بريش أنّ اختيار الذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، لتدشين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للمركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية ليس مجرّد تزامن اعتباطي، بل يحمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة.
وقال لـ«الشعب”، إنّه إذا كان استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962 قد مكّن الجزائر من استعادة أرضها وقرارها الوطني، فإنّ تحديات القرن الحادي والعشرين تفرض استكمال مقوّمات هذه السيادة بامتلاك أدوات القوة الجديدة، وفي مقدّمتها التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
واعتبر بريش، أنّ مفهوم السيادة الوطنية، شهد تطورا جوهريا في الفكر الاستراتيجي المعاصر، فلم يعد يقتصر على بسط سلطة الدولة على إقليمها، بل أصبح يقاس أيضا بقدرتها على التمكّن من عناصر القوة، والتحكّم في مواردها الاستراتيجية، وتعزيز استقلال قرارها الوطني، وصيانة أمنها القومي الشامل.
وفي هذا السياق، أصبحت السيادة الرقمية أحد المكونات الأساسية للسيادة الوطنية، لأنّ البيانات أضحت موردا استراتيجيا، وأصبحت القدرة على إنتاجها وإدارتها وحمايتها معيارا من معايير قوة الدول وسيادتها.
ومن هذا المنطلق، يرى بريش في تحليله، أنّ تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية يمثل أكثر من مجرّد إنجاز تقني؛ فهو خيار سيادي يعكس رؤية الدولة لبناء بنية تحتية رقمية وطنية تضمن استضافة البيانات داخل التراب الوطني، وتعزّز استمرارية الخدمات العمومية، وتدعم التكامل الرّقمي بين مختلف القطاعات، وفق أحدث المعايير الدولية في إدارة مراكز البيانات وأمن المعلومات. وعلى ضوء ذلك، تنتقل الجزائر من مرحلة رقمنة الخدمات إلى مرحلة ترسيخ السيادة الرقمية، باعتبارها امتدادا طبيعيا للسيادة الوطنية.
ووقف الخبير عند أهمية هذا المشروع، وأوضح أنه يتجاوز جانبه التقني إلى بعده الاستراتيجي، بالنظر إلى أنّ الأمن السيبراني أصبح أحد المرتكزات الأساسية للأمن القومي الشامل، لأنّ الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تستهدف الهجمات السيبرانية البنى التحتية الحيوية، وقواعد البيانات، وأنظمة الاتصالات، ومن ثم، فإنّ حماية الفضاء السيبراني الوطني أصبحت جزءا لا يتجزأ من حماية السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني.
ركيزة بناء اقتصاد المعرفة
على الصعيد الاقتصادي، أشار بريش أنّ المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، يعد ركيزة أساسية لبناء اقتصاد المعرفة، من خلال دعم الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتشجيع الابتكار، وتهيئة بيئة مواتية لنمو المؤسّسات الناشئة واستقطاب الاستثمارات النوعية. على اعتبار أنه في الاقتصاد العالمي الجديد، لم تعد الثروة تقاس بالموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرة الدول على توظيف المعرفة والبيانات ورأس المال الحاسوبي لإنتاج القيمة المضافة وتعزيز التنافسية.
وبخصوص بناء السيادة الرقمية، أكّد الخبير بريش أنه لا يقتصر على إنشاء البنى التحتية، وإنما يستوجب أيضا الاستثمار في العنصر البشري، وتطوير البحث العلمي، وتكوين الكفاءات، وتعزيز الابتكار، وتحديث المنظومة التشريعية بما يكفل حماية البيانات الوطنية ويواكب التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي.
وفي هذا الإطار، ذكّر الخبير أنّ تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، يكتسب بعدا يتجاوز افتتاح منشأة استراتيجية، ليجسّد رؤية الجزائر المنتصرة في تعزيز مقوّمات السيادة الوطنية، وترسيخ أسس التحول الرقمي، وتعزيز مقومات الدولة العصرية. كما يعكس هذا المشروع مسار جزائر الإنجازات في عهد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من خلال الاستثمار في المشاريع الاستراتيجية التي تعزّز الاستقلال التكنولوجي، وترفع كفاءة الإدارة العمومية، وتدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
وخلص الخبير بريش إلى القول أنّ الوفاء لتضحيات الشهداء والمجاهدين وكل المخلصين لهذا الوطن لا يقتصر على استحضار أمجاد الماضي وحده، بل بمواصلة بناء دولة قوية تمتلك أسباب القوة في الحاضر والمستقبل.
وقال الخبير لم يعد تعزيز السيادة الوطنية يقتصر على حماية الأرض والحدود، وإنما أصبح يشمل امتلاك التكنولوجيا، والتحكّم في البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
ومن هذا المنظور، تمثل السيادة الرقمية إحدى أهم دعائم الجزائر القوية المنتصرة، وخطوة استراتيجية نحو ترسيخ مكانة الجزائر كدولة ذات سيادة كاملة، قادرة على حماية مصالحها الوطنية، وصناعة مستقبلها بثقة في عالم تتحدّد فيه موازين القوة بامتلاك المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.



