التّأهيل الزّواجي والاستشارات ويعزّزان فرص النّجاح
أكّدت الاستشارية الأسرية زهية فتحية أنّ الحديث عن الاضطرابات النفسية في الحياة الزوجية لم يعد ترفا فكريا، بل أصبح من القضايا التي تفرضها التحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها الشباب اليوم، مشددة على أن الزواج لا يقوم على المشاعر وحدها، وإنما يحتاج إلى قدر من النضج النفسي والصدق والوضوح بين الطرفين، حتى يتمكنا من بناء أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة.
أوضحت فتحية في تصريح لـ “الشعب”، أن الكثير من المقبلين على الزواج ينشغلون بالبحث عن سلامة الطرف الآخر، بينما يغفلون عن سؤال أنفسهم: هل نحن مستعدون نفسيا لخوض تجربة الزواج؟ وهل نمتلك القدرة على تحمل مسؤولياته ومتطلباته؟ معتبرة أن مراجعة الإنسان لنفسه تمثل الخطوة الأولى نحو تأسيس علاقة زوجية ناجحة.
وفي مستهل حديثها، أكّدت الاستشارية الأسرية أن مفهوم الاضطرابات النفسية كثيرا ما يختلط لدى عامة الناس بالمشكلات اليومية أو الضغوط العابرة، في حين أنّ تشخيصها يبقى من اختصاص الطبيب أو الأخصائي النفسي المؤهل، محذرة من إطلاق الأحكام أو إلصاق أوصاف نفسية بالأشخاص دون تقييم علمي دقيق.
وأضافت أن وجود اضطراب نفسي لا يعني بالضرورة استحالة الزواج، غير أن التعامل معه ينبغي أن يكون قائما على الوعي والعلاج والإفصاح الصادق، بعيدا عن الإنكار أو التقليل من حجم المشكلة.
الزّواج ليس علاجًا للاضطرابات النّفسية
وترى زهية فتحية أن من أكثر المعتقدات الخاطئة انتشارا الاعتقاد بأن الزواج قادر بمفرده على علاج الاضطرابات النفسية أو تجاوز الصدمات الماضية، مؤكدة أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أساس علمي، لأن المشكلات النفسية لا تختفي بمجرد الارتباط، وإنما قد تظهر بصورة أوضح بعد الزواج نتيجة الاحتكاك اليومي وتزايد المسؤوليات.
وأشارت إلى أنّ البيت الزوجي ليس مؤسسة علاجية ولا مصحة نفسية، وإنما هو شراكة إنسانية تقوم على الصراحة والثقة والتفاهم، ولذلك فإن بناء علاقة مستقرة يتطلب من كل طرف أن يكون واضحا مع شريك حياته بشأن ما قد يؤثر في مستقبل العلاقة.
الإفصـاح قبـــل الــزّواج يحمي العلاقـة مـــن الصّدمــات
شدّدت المتحدّثة على أنّ الصدق والإفصاح عن المشكلات النفسية التي قد تؤثر في الحياة الزوجية يعدان من أهم الأسس التي تقوم عليها العلاقة الناجحة، موضحة أن إخفاء الحقائق خلال فترة التعارف أو الخطبة لا يلغي وجودها، وإنما يؤجل ظهورها إلى ما بعد الزواج.
وأكّدت أنّ الإنسان كلما كان أكثر وضوحا في تقديم صورته الحقيقية للطرف الآخر، كان ذلك أدعى لاتخاذ قرار واع ومسؤول بشأن مستقبل العلاقة، لأن الاستقرار لا يبنى على الصورة المثالية المؤقتة، وإنما على معرفة كل طرف بحقيقة الآخر.
الصّدمــات النّفسيـة تمتــد آثارهـــا إلى الأســـرة
وأوضحت الاستشارية الأسرية أن كثيرا من المشكلات التي تظهر داخل الأسرة تكون في حقيقتها امتدادا لصدمات أو معاناة نفسية عاشها أحد الزوجين قبل الارتباط ولم يتعامل معها بطريقة صحيحة.
وأضافت أنّ إخفاء المخاوف والعقد النفسية والتشوهات الفكرية أو السلوكية لا يعني زوالها، بل تبقى كامنة إلى أن تظهر آثارها في شكل اضطرابات داخل العلاقة الزوجية، وقد تمتد لاحقًا إلى الأبناء.
وأشارت إلى أن بعض الصدمات، وعلى رأسها التعرض للتحرش الجنسي في مرحلة الطفولة أو المراهقة، سواء بالنسبة للذكر أو الأنثى، قد تترك آثارا نفسية عميقة تستمر سنوات طويلة إذا لم تخضع للعلاج النفسي المناسب، وهو ما قد يؤثر مستقبلا في العلاقات الزوجية وطبيعة التواصل بين الزوجين.
الأبنــاء أوّل المتأثّريــن بالاضطرابـــات النّفسيـة
وأكّدت المختصة أن الاضطرابات النفسية لا تتوقف آثارها عند الزوجين، وإنما تمتد إلى الأبناء، لأن الطفل يتأثر بالبيئة الأسرية التي ينشأ فيها أكثر من تأثره بالكلمات أو التوجيهات المباشرة.
وأوضحت أنّ الأسرة التي تعيش صراعات نفسية مستمرة قد تنقل هذه المعاناة إلى الأطفال، فتظهر لديهم اضطرابات نفسية وسلوكية تعكس ما يعيشه الوالدان داخل البيت، مشيرة إلى أن ما يبدو من سلوكيات لدى الأبناء ليس في كثير من الأحيان أصل المشكلة، وإنما نتيجة لتراكمات نفسية امتدت لسنوات.
اضطــرابات تؤثّــر في التّواصل وتحمّــل المسؤولية
وأضافت أن المعاناة النفسية تنعكس بصورة مباشرة على العلاقة الزوجية، فتضعف القدرة على التواصل الفعال، والتعبير عن المشاعر، وإظهار الحب والتقدير للطرف الآخر، كما تؤدي إلى ضعف الاهتمام بالاحتياجات النفسية والعاطفية، وقلة تحمل المسؤولية، وإلقاء اللوم على الشريك، واتباع السلوك التجنبي، فضلاً عن تضييق دائرة العلاقات الأسرية والاجتماعية.
وأكّدت أن هذه السلوكيات ليست مشكلات مستقلة، وإنما تمثل في كثير من الأحيان نتائج مباشرة لاضطرابات نفسية لم تعالج في الوقت المناسب.
التّأهيـــل الزّواجـي ضـرورة لا تحتمــل التّأجيـــل
جدّدت المتحدّثة تأكيدها على أهمية التأهيل الزواجي، معتبرة إياه من أهم الوسائل الوقائية التي تساعد الشباب على بناء حياة زوجية أكثر وعيا واستقرارا.
وأوضحت أنّ برامج التأهيل الزواجي تتناول موضوعات أساسية، منها فهم الاحتياجات النفسية للزوجين، وأنماط الشخصية، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، والتوقعات الواقعية للحياة الزوجية، بما يساعد المقبلين على الزواج على تجنب كثير من المشكلات قبل وقوعها.
كما أكّدت أن التأهيل الزواجي لا يقتصر على مرحلة ما قبل الزواج، وإنما يمثل مسارا مستمرا قبل الزواج وأثناءه وبعده، بهدف تعزيز استقرار الأسرة ومعالجة التحديات التي قد تواجهها.
وعي ومسؤولية
وفي ختام حديثها، دعت الاستشارية الأسرية الشباب إلى عدم التردد في اللجوء إلى الأخصائي النفسي أو المرشد الأسري عند الحاجة، مؤكدة أن طلب المساعدة لا يعكس ضعفا، وإنما يعبر عن وعي الإنسان وشجاعته في مواجهة ذاته، ورغبته في بناء حياة زوجية مستقرة.
وأضافت أنّ تزايد الضغوط الاجتماعية والتغيرات التي يشهدها المجتمع جعلت التأهيل الزواجي والاستشارة الأسرية أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنهما يسهمان في الوقاية من التفكك الأسري، ويعزّزان فرص بناء أسرة متماسكة تنعم بالاستقرار النفسي والاجتماعي.
وختمت بالتأكيد على أنّ بناء أسرة سليمة يبدأ من مصارحة الإنسان لنفسه، والاعتراف بما لديه من تحديات أو صدمات أو اضطرابات، والعمل على معالجتها، مجددة شعارها: “التأهيل الزواجي ضرورة لا تحتمل التأجيل”.






