التشكيـــلات الحزبية مطالبــة بإقناع الناخبين وكسب ثقة المواطنين
أعادت تصريحات رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، بعد الإعلان عن النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية ليوم 2 جويلية، النقاش إلى نقطة أساسية في كل مسار انتخابي، وهي أن نزاهة العملية وشفافيتها لا تعني وحدها الوصول إلى نسب مشاركة مرتفعة، لأن المشاركة الانتخابية في النهاية ترتبط بالناخب، وبقدرة الأحزاب والمجتمع المدني على الاقتراب من المواطنين وإقناعهم بجدوى التصويت.
فقد أكد خلفان أن الانتخابات التشريعية جرت في ظروف طبعتها الشفافية والنزاهة، مشيرا إلى أن نسبة المشاركة التي بلغت 21.24 بالمائة داخل الوطن و10.75 بالمائة بالنسبة للجالية الوطنية بالخارج، هي «نسبة حقيقية» تعكس الإرادة الشعبية كما عبّرت عنها الصناديق بكل شفافية. وهذه النقطة مهمة، لأن قراءة هذه الأرقام لا يجب أن تنطلق من منطق التقليل من العملية الانتخابية، بل من فهم أن القانون يضمن حق الانتخاب وينظم شروطه، لكنه لا يجبر المواطن على التصويت.
وفي هذا الإطار، أوضح خلفان أن القانون لا يفرض على الناخب التوجه إلى مكاتب الاقتراع، بل يفتح له المجال لممارسة حقه في إطار منظم وشفاف، فيما تبقى مهمة الإقناع مرتبطة بالخطاب السياسي والعمل الجواري، وبمدى قدرة الأحزاب والقوائم والمجتمع المدني على بناء علاقة مستمرة مع الهيئة الناخبة، وهذا يعني أن نسبة المشاركة ليست مسؤولية هيئة تنظيم الانتخابات وحدها أو الدولة وأجهزتها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأحزاب، وتمر عبر المنتخبين والفاعلين المحليين، وتصل إلى المجتمع المدني ووسائل الإعلام والنخب.
المشاركة الانتخابية بين الثقة والعمــل السيـــاسـي
بالنسبة للانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن الأهم في تصريح خلفان هو الفصل بين مسألتين على درجة كبيرة من الأهمية: شفافية العملية من جهة، وحجم الإقبال الشعبي من جهة أخرى. فالسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كما أكد، وقفت على مسافة واحدة من جميع المشاركين، وفتحت المجال أمام المراقبين الممثلين للأحزاب السياسية على مستوى مراكز ومكاتب التصويت، حتى تكون النتائج واضحة وقابلة للتحقق. كما أن هذه الانتخابات تعد تاسع استحقاق وطني تشرف عليه السلطة، وهو ما منحها تجربة عملية في تسيير المواعيد الانتخابية ومعالجة النقائص وفتح قنوات التواصل مركزيا ومحليا وحتى على مستوى الجالية الوطنية بالخارج.
لكن المشاركة تبقى قضية سياسية ومجتمعية أوسع. فالأحزاب وفق متابعين لا يمكنها أن تنتظر أيام الحملة الانتخابية فقط لإقناع المواطن، لأن الثقة لا تبنى في ظرف قصير. الناخب يحتاج إلى خطاب قريب من يومياته، وإلى برامج مفهومة، وإلى مرشحين قادرين على التواصل معه قبل الانتخابات وبعدها. كذلك، فإن المجتمع المدني مطالب هو الآخر بأن يساهم في نشر الوعي الانتخابي، باعتباره جزءا من التربية المدنية التي تشرح للمواطن أهمية المؤسسات المنتخبة ودورها في التعبير عن الانشغالات المحلية والوطنية.
وفي سياق متصل، لا يمكن عزل تراجع نسب المشاركة عن ظاهرة أوسع تعرفها العديد من الديمقراطيات في العالم. فبيانات المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية تشير إلى أن معدل المشاركة عالميا ارتفع في الأربعينيات ثم الثمانينيات، قبل أن يتراجع منذ التسعينيات خاصة في الانتخابات التشريعية حول العالم. وهذا يبين أن العزوف لم يعد مرتبطا ببلد واحد أو تجربة واحدة، بل يرتبط بتحولات في علاقة الأجيال الجديدة بالسياسة التقليدية، وبظهور أشكال أخرى من التعبير والمشاركة خارج الصندوق الانتخابي.
كما أن الشباب اليوم لا يتفاعلون دائما مع نفس الأدوات الحزبية والخطابات التي كانت تقنع الأجيال السابقة، وجزء مهم منهم يتابع الشأن العام عبر الفضاء الرقمي، وينتظر لغة مباشرة، وحلولا ملموسة، وخطابا أقل من حيث الشعارات وأكثر ارتباطا بالعمل والتعليم والسكن والخدمات والفرص الاقتصادية. لذلك، فإن رفع نسب المشاركة في المستقبل يمر عبر تجديد طرق التواصل الحزبي مع المواطنين، وتقديم برامج قابلة للفهم والقياس، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة داخل الأحزاب والقوائم.
وعليه، فإن نسبة المشاركة في تشريعيات 2 جويلية، لا تلغي قيمة العملية الانتخابية ولا تمس بحقيقتها القانونية والسياسية، بل تضع أمام الطبقة السياسية مسؤولية إضافية. والرسالة التي حملتها تصريحات خلفان واضحة ومفادها أن الانتخابات مرت في إطار من الشفافية والنزاهة، أما توسيع المشاركة فهو عمل مستمر يتطلب اقترابا أكبر من المواطن، وخطابا جديا بشكل أكبر وجهدا مشتركا يعيد للناخب قناعته بأن صوته يمكن أن يكون جزءا من صناعة القرار في الجزائر.



