تعزيز حضور التاريخ الوطني في الفضاءات الرقمية
تدخل تنشئة الأجيال الجديدة على حب الوطن وصون الذاكرة الوطنية في صميم العوامل الأساسية لحماية الأمن القومي وصون السيادة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والعولمة الثقافية التي تستهدف الهوية. ويتطلب بناء جيل واعد، يعتز بانتمائه ويدرك حجم التضحيات التي قُدمت من أجل استقلال بلاده، إستراتيجية وطنية شاملة تتكامل فيها أدوار الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الإعلامية والثقافية. وهو ما يؤكده أستاذ التعليم العالي، قسم علم الاجتماع جامعة زيان عاشور الجلفة، زبيري حسين.
أوضح البروفيسور زبيري حسين، في اتصال مع “الشعب”، أمس، أن خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة الخامس جويلية، وتأكيده أنه “يسعى إلى جعل هذا التاريخ ذكرى عالقة في أذهان أطفال الجزائر”، منوها أيضا بوعي شبابها وما يتحلون به من روح وطنية عالية، لم يأت من فراغ بل هو استجابة حتمية للرهانات التي يعيشها الجيل الجزائري وتهديدات خطيرة للأمن المجتمعي والثقافي للمجتمع الجزائري، ومن هنا يقول المتحدث إن غرس الذاكرة الوطنية وتعزيز روح الانتماء لدى الجيل الحالي، وخاصة الشباب والأطفال، هو صمام الأمان لحماية الهوية الوطنية وضمان استمرار رسالة النوفمبريين عبر الأجيال.
وأضاف المتحدث أن تحويل تاريخ مثل 5 جويلية من مجرد مناسبة عابرة في الرزنامة إلى “ذكرى عالقة” يتطلب إستراتيجية شاملة تتماشى مع لغة العصر وأدواته. ولعل أهم تلك الأدوات، حسبه، هي التي تأخذ بعين الاعتبار خصائص الجيل الذي صار جيلا رقميا أين تلعب الفضاءات الافتراضية دورا حاسما في تشكيل هويته الرقمية ولكن أيضا الهوية الثقافية والاجتماعية، الاستثمار الرقمي في تاريخنا المجيد من شأنه أن يعزز عملية ترسيخ الذاكرة الجماعية وتاريخنا، من خلال إدراج هذه المادة على شكل مواقع ومصادر مفتوحة وإنتاج أفلام وثائقية قصيرة لأبطال الثورة بأسلوب سردي مشوق كما هو معمول به على البودكاسات المتنوعة.
وحث الأستاذ في الوقت ذاته، على التلقين الكلاسيكي للتاريخ لهذا الجيل الرقمي والتفاعل معه، من خلال برمجة رحلات استكشافية للمواقع التي عرفت أحداثا متميزة من تاريخنا بما في ذلك زيارة المنازل التي عاش فيها ثوارنا والكهوف التي أقاموا فيها، مضيفا أن متحف المجاهد مثال جيد لمثل هذه التفاعلات الإيجابية.
الذاكرة والمواطنة..
وأكد زبيري على ضرورة ربط الذاكرة الوطنية بالسلوكات المواطنة لدى هذا الجيل، بحيث يصير النجاح في المدرسة والجامعة استمرارا لبطولات شهدائنا الأبرار ونظافة الحي عربون وفاء لمن ماتوا من أجل جزائر حرة ومستقلة ومعتزة بهويتها العربية المتعددة التي أسس لها الدستور في ثلاثية الهوية. كما يجدر تعزيز هذا الانتماء، من خلال حث الجيل على الدفاع عن هويته وتاريخه من الهجمات التي تريد التشكيك فيه وتزييفه.
يضاف إلى ذلك الدور الهام الذي تلعبه المؤسسات التربوية، لأنها الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الطفل انتماءه وهويته، وترسيخ حب الوطن وصون الذاكرة، من خلال إبراز تضحيات المجاهدين والشهداء وإظهار حقيقتهم كأبطال قادوا البلاد إلى استرجاع حريتها وسيادتها، من خلال الأعمال والمسرحيات التي تبقى عالقة في أذهانهم، كذلك هو دور المؤسسات الدينية عبر ربط حب الوطن بالإيمان، حيث أن بيان أول نوفمبر ركز على قيم العدالة والأصالة، وإبراز دور علماء الجزائر في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ضد محاولات الطمس الاستعماري.
كل هذه العوامل من شأنها المساهمة في الحفاظ على الهوية وصون الذاكرة أمام رياح العولمة ومحاولات اجتثاث الأجيال واستئصالها عن أصول تاريخها وانتمائها، كما يجدر تحسيس الشباب بمسؤولياتهم التاريخية تجاه وطنهم ليكونوا قدوة للأجيال اللاحقة في التضحيات كما فعل الأجداد الأولون، حيث تتجلى مسؤوليتهم في كسب المعارف والعلوم للنهوض بالوطن وليكونوا سدا منيعا ضد محاولات الطمس والتشويه ومرجعيتهم في ذلك هي بيان نوفمبر الخالد.



