بن دعماش لـ “الشعب”: المهرجان يؤسّس لرؤية علمية تصون الذّاكرة الموسيقية
احتضن قصر الثّقافة “مفدي زكريا” أول أمس، أشغال اليوم الدراسي المنظم ضمن فعاليات الطبعة الثانية عشرة للمهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية “الصنعة”، تحت عنوان “مشروع ملتقى وطني حول الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية”.
افتتحت أشغال الندوة بكلمة ألقاها محافظ المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى الأندلسية “الصنعة”، أحسن غيدة، أكد فيها أن الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية تمثل أحد أهم روافد الهوية الوطنية، وأنّ المحافظة عليها تستدعي الانتقال من جهود التوثيق الفردية إلى مشروع مؤسساتي يعتمد البحث العلمي، ويجمع مختلف المدارس الموسيقية في إطار رؤية وطنية تحترم خصوصياتها وتثمن تنوعها.
وتناول المشاركون، عبر ثلاث جلسات علمية، أبرز الإشكالات التي تواجه هذا التراث، بداية بقضايا المصطلحات والمرجعيات، وصولا إلى آليات التوثيق وسبل حماية المدونات الموسيقية من الضياع والاندثار.
في الجلسة الأولى، استعرضت الباحثة فازيلات ديف مداخلة بعنوان “تحويل التراث الشفهي إلى تراث مصنف.. الرهانات والاحتياطات”، تناولت فيها أهمية الانتقال من الرواية الشفوية إلى التوثيق العلمي، مع مراعاة خصوصية المادة التراثية والحفاظ على أصالتها.
كما تطرّق الدكتور محمد سعداوي إلى دور التربية الموسيقية وضرورة إنشاء ورشات لتعليم العزف على الآلات الموسيقية داخل الجمعيات الثقافية، باعتبارها فضاءات أساسية لضمان استمرارية هذا الفن.
أما الشيخ الحاج حسان بوكلي صالح، فقد سلط الضوء على واقع المصطلحات المتداولة في مدرسة تلمسان، مبرزا الحاجة إلى توحيد المفاهيم بين مختلف المدارس الموسيقية الجزائرية.
وركّزت الجلسة الثانية على المرجعيات العلمية وآليات المحافظة على المدونة الموسيقية، حيث أبرز محمد بلعربي الدور المحوري للشيوخ في حفظ التراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري وتطويره عبر الأجيال.
وقدّم الدكتور سليم الحصار مداخلة بعنوان “نحو مدونة مرجعية للتراث الموسيقي الأندلسي: تأملات منهجية ومعايير علمية”، اقترح فيها منهجية علمية ومعايير دقيقة لجمع المادة الموسيقية وتوثيقها.
من جهته، طرح الشيخ يوسف طوايبية إشكالية العلاقة بين النوبات الجزائرية ونظيراتها المغاربية، متسائلا عن مدى إمكانية الاستغناء عن دراسة النوبات المغاربية الأخرى في سبيل حماية التراث الموسيقي الجزائري، مؤكدا أن المقاربة العلمية المقارنة تظل ضرورة لفهم تطور هذا الفن.
وشهدت الجلسة الثالثة نقاشا حول التحولات التي عرفتها النصوص والألحان وطرق الأداء، حيث تناول طلال شاكر قاسمي الحسني موضوع “بين النقل والتحول.. عقبات القصائد المغناة في الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية”، متوقفا عند الإشكالات التي رافقت انتقال القصائد بين الأجيال.
أما الباحث حفيظ مواتس، فقد قدّم جملة من المقترحات لإعادة الحيوية إلى التراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري، فيما ركّز محمد السعيد زروالة على استراتيجيات حماية هذا التراث من مخاطر الاندثار، داعيا إلى اعتماد رؤية وطنية شاملة تجمع بين التوثيق والتكوين والبحث الأكاديمي.
وتوّجت أشغال اليوم الدراسي بعرض خلاصات الندوة، مع اقتراح تشكيل لجنة علمية وتقنية تتولى متابعة تنفيذ مخرجات اللقاء، والتحضير لملتقى وطني متخصص، يكون إطارا لتوحيد المرجعيات وإعداد مدونة وطنية للموسيقى الكلاسيكية الجزائرية.
وأكّد المشاركون أن الهدف الأساسي من هذه المبادرة يتمثل في إعداد خارطة طريق وطنية لصون التراث الموسيقي الكلاسيكي الجزائري وتثمينه، من خلال توحيد المرجعيات والمصطلحات، مع الحفاظ على خصوصية مختلف المدارس الموسيقية الجزائرية باعتبارها ثراء ثقافيا يعكس عمق الهوية الوطنية وتنوعها الحضاري.
ويؤسّس هذا المسعى الذي انطلق من مهرجان “الصنعة” – حسب المشرف على اليوم الدراسي الباحث عبد القادر بن دعماش في تصريح لـ “الشعب” – لرؤية علمية بعيدة المدى تجعل من الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية تراثا موثقا ومصانا، وقادرا على مواصلة حضوره في الذاكرة الوطنية باعتباره أحد أبرز مكونات الشخصية الثقافية الجزائرية.



