تحويـــل الإرث المسرحـي الإفريقي إلى مشـــروع متكامــــل.. ضـروري
يحتضن المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي، فعاليات مهرجان الجزائر الإفريقي للمسرح الجامعي في طبعته الأولى، والذي يجمع نخبة من المسرحيين والباحثين من مختلف أنحاء القارة، ويخصّص جانبا مهما من برنامجه للنقاشات الفكرية حول واقع المسرح الإفريقي وآفاقه. وفي هذا الإطار، يرى الأكاديمي والناقد الدكتور مراد ترغيني أنّ القارة تقف أمام لحظة مفصلية قد تؤسّس لبداية مرحلة جديدة في مسار التنظير المسرحي الإفريقي.
يشير الأكاديمي مراد ترغيني في تصريح لـ “الشعب”، إلى أنّ المسرح الإفريقي، وعلى امتداد عقود، قدّم تجارب فنية ثرية، واستطاع أن يبتكر أشكالا فرجوية تستلهم الطقوس والذاكرة الجماعية والمقاومة والهوية، غير أن قراءته النقدية ظلت، في كثير من الأحيان، تتم عبر مفاهيم ونظريات نشأت في بيئات ثقافية مختلفة، وهو ما حال دون الإحاطة الكاملة بخصوصياته الجمالية والفكرية.
وفي هذا السياق، يكتسب الملتقى الدولي “الممارسة المسرحية في إفريقيا: تجارب الركح وآفاق التأطير الأكاديمي”، الذي تحتضنه جامعة الجزائر (2)، أهمية خاصة، لأنه لا يكتفي بعرض التجارب المسرحية، بل يفتح نقاشا علميا حول الجهة التي ينبغي أن تنتج المعرفة المتعلقة بالمسرح الإفريقي، وحول دور الجامعة في بناء خطاب نقدي مستقل.
ويؤكّد المتحدث أن النظرية هي نتاج سياقات حضارية وثقافية محددة، ولذلك فإن تطبيق مفاهيم صيغت لتفسير المسرح الأوروبي على التجربة الإفريقية يجعل كثيرا من عناصرها خارج دائرة الفهم، فالطقس، والمشافهة، والرموز، والأقنعة، والعلاقة التشاركية بين الممثل والجمهور، كلها مكوّنات تستدعي مقاربات نقدية تنبع من البيئة الإفريقية نفسها.
ويربط الدكتور ترغيني هذا الطرح بفكرة “تحرير المعرفة” من الهيمنة المنهجية، مستحضرا أفكار المفكر الكيني نغوجي واثيونغو، الذي اعتبر أن أخطر أشكال الاستعمار هو الاستعمار المعرفي، حين تستمر الشعوب في تفسير ذاتها بأدوات أنتجها الآخر. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى بناء نظرية مسرحية إفريقية لا تعني القطيعة مع الفكر الإنساني، بل تهدف إلى إثرائه عبر إنتاج مفاهيم جديدة تستجيب لخصوصية التجربة الإفريقية.
كما يبرز المتحدث الدور المحوري للجامعة باعتبارها الفضاء الطبيعي لإنتاج النظريات وتطويرها، مؤكّدا أن بناء خطاب نقدي مستقل لا يتحقق عبر العروض والمهرجانات وحدها، بل يحتاج إلى البحث الأكاديمي والتراكم العلمي والحوار المستمر بين الباحثين والممارسين.
ويضيف أن إفريقيا تمتلك رصيدا فكريا وإبداعيا كبيرا بفضل أسماء بارزة في المسرح والفكر، غير أن التحدي الراهن يتمثل في تكوين جيل جديد من الباحثين القادرين على تحويل هذا الإرث إلى مشروع نظري متكامل، ينعكس مستقبلا على المناهج الجامعية والسياسات الثقافية، ويجعل القارة شريكا في صناعة الفكر المسرحي العالمي، لا مجرد موضوع للدراسة.
ويخلص الدكتور مراد ترغيني، إلى أنّ مستقبل المسرح الإفريقي لن يقاس فقط بما يقدمه من عروض وإبداعات، بل أيضا بقدرته على إنتاج المعرفة التي تفسر تلك الإبداعات وتمنحها مشروعيتها العلمية، مؤكدا أن الجامعة الإفريقية قد تكون اليوم نقطة الانطلاق نحو مرحلة جديدة يكتب فيها المسرح الإفريقي نظريته بنفسه، ويصوغ مكانته الفكرية على الساحة العالمية.





