ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات، فهناك حروب أكثر خطورة، تستهدف الذاكرة قبل الأرض، والهوية قبل الإنسان، والتاريخ قبل الحاضر. إنها الحرب على الوعي، حيث يصبح الثوب وثيقة، والتطريز شهادة، والكوفية راية، ويغدو التراث ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن ميادين النضال.
يحتفل الشعب الفلسطيني بتاريخ 25 جويلية هذا العام بـ»يوم الزي الفلسطيني» تحت شعار «البس زِيّك.. مين زَيّك»، هذا الزي الذي تشير المنحوتات والدراسات على أن وجوده يعود إلى الكنعانيين منذ أكثر من 4500 عام قبل الميلاد، ويتوارثه الفلسطينيون نساءً ورجالا إلى الآن.
ومنذ اقراره رسميا عام 2021، يقوم الفلسطينيون بتنظيم فعاليات ثقافية، من أجل الحفاظ على «الزي الفلسطيني» حفاظاً على الهوية الفلسطينية، خصوصا مع قيام الاحتلال الصهيوني بمحاولاته المتواصلة لسرقة الزي الفلسطيني، وذلك باتباع هذا الكيان المزيف سياسة ممنهجة لطمس الهوية والثقافة الفلسطينية عبر سرقة التراث وتهويده، من خلال:
1- تنظيم المحتل نشاطات ومسابقات للترويج لهذا الزي على أنه «زي توراتي» ! لينسبه له..
2- تمكن عام 1993 من إدراج ثوب بيت لحم الشهير في الموسوعة العالمية» ورد بوك» (World Book) كثوب منسوب لدولة الاحتلال الصهيوني! (لكن قيام المؤسسات الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية بمراسلة ادارة الموسوعة على مدار أكثر من عقد، وارفاق الصور والفيديوهات والوثائق التاريخية التي تثبت انه ثوب فلسطيني خالص، إلى أن تم تعديل المعلومة عام 2007).
3- قيام الاحتلال كذلك بتنظيم عروض الازياء العالمية باستخدام الكوفية (بلونها الأسود والأبيض) لتصميم فساتين حديثة، من أجل سرقة الكوفية.
4- ذهب المحتل ابعد من ذلك، بجعل مضيفات الخطوط الجوية التابعة له «ألعال» يرتدين الثوب الفلسطيني (بتطريزاته وألوانه المختلفة) في عدة مناسبات، من أجل الترويج بأنه «ثوب يهودي» لدى المسافرين على متن خطوطها عبر العالم، في سرقة علنية للهوية والثقافة الفلسطينية ..
لكن الفلسطينيين عملوا بقول الشاعر بشار بن برد: (إِذَا أَنْتَ لَمْ تَحْمِ الحَقِيقَةَ بِالعُلَى … تَعَادَى عَلَيْهَا مَنْ يَشِينُ وَيَسْرِقُ)، أمام كل هذه المحاولات الصهيونية ورغم دعم الحركة الصهيونية العالمية ودول كبرى لسرقة التراث وطمس الهوية والثقافة الفلسطينية، اعتمدت دولة فلسطين على مجموعة آليات لمقاومة هذه السرقة، من أبرزها:
1- الذاكرة الوطنية: الاعلان عن يوم 25 جويلية منذ عام 2021 يوما للزي الفلسطيني، حيث يتم يومها تنظيم فعاليات ثقافية في الوطن والشتات يرتدي فيها الكبار والصغار الزي الفلسطيني، لصون الذاكرة والهوية الفلسطينية.
2- الدبلوماسية الثقافية: تسجيل فن التطريز في فلسطين (الممارسات والمهارات والعادات والطقوس) في منظمة اليونسكو بتاريخ 15 ديسمبر 2021، ويعتبر هذا انجازا لتأكيد صحة الرواية الفلسطينية وتثبيتا للهوية الفلسطينية للأرض والتاريخ رغم كل محاولات الطمس والسرقة، حيث جاء ثمرة لجهد دبلوماسي ثقافي كبير على مدار سنوات، بدأ منذ انضمام دولة فلسطين رسميا كعضو كامل في اليونسكو بتاريخ 31 أكتوبر 2011.
3- العمل القانوني: من خلال انضمام دولة فلسطين لمحكمة العدل الدولية، والمنظمات الأممية، تقوم بملاحقات قضائية ضد محاولات السرقة والطمس لمكونات الثقافة الفلسطينية بما فيها الزي الفلسطيني.
4- الدبلوماسية الشعبية: وهي إحدى أهم أدوات الحفاظ على التراث والهوية الفلسطينية، حيث توارث ابناء الشعب الفلسطيني جيلا بعد جيل، الحفاظ على الزي الفلسطيني، وذلك من خلال الحرص على ارتدائه في مختلف المناسبات (الوطنية، الأفراح، …) سواء في الوطن أو الشتات، وهنا يظهر دور الشعب الفلسطيني أينما تواجد في الحفاظ على الزي الفلسطيني للتأكيد على أنه أحد العناصر المكونة للثقافة الفلسطينية، التي لا يمكن التفريط بها.
يحمل هذا اليوم، مثله مثل الايام الوطنية الفلسطينية الأخرى، قيمة كبيرة لأصالة الشعب الفلسطيني، وتجذر ِزيّهِ بأرضه، لأن تطريزاته وألوانه تروي حكايات وتاريخ وجغرافية أرضه عبر العصور، فالزي الفلسطيني رمز لهوية هذا الشعب الصامد على أرض فلسطين الطاهرة منذ آلاف السنين، وسوف يبقى كذلك إلى آخر يوم في هذه الحياة.. فكيف لشعب تكون دمه من ذرات تراب فلسطين أن يفرط في زي يشكل ثقافة عمرها آلاف السنين على هذه الأرض.. فصدق شاعرة الثورة الفلسطينية حين قال: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».







